ولكن هذا يُؤخذُ من مجموع الأدلة التي وردت في بيان حرمة المسلم وتعظيم حرمتهِ وكذلك يُؤخذ من سيرة الصحابة رضوان الله عليهم فيما وقعَ بينهم من القتال، وقلنا إنّ الفقهاءَ يعرِّفون الباغي بأنه الخارج على الإمام العدل بتأويل، وقلنا إن البغاة أحكامهم في الجملةِ أنه إنما يقاتلون دفعًا لشرهم لا قصدًا لقتلهم، ولهذا بعض العلماء ذكرَ أنّ الفرق بين قتال البغاة وبين قتال الكفار والمرتدين يصلُ إلى تسعة أو عشرة فروق، منها الذي ذكرناه وهو أنّ الكفار يُقصدون بالقتل ويُتعمد قتلهم، سواءٌ كانوا كفارًا أصليين أو كانوا مرتدين، وأما البغاة فإنما يقاتلون على سبيلِ دفعِ الشرِ وكفِّ الضرر الذي يقعُ بسبب بغيهم.
ومنها أنّ الكفار يُقتلون مقبلين ومدبرين، وأما البغاة فلا يقتلون في حالِ إدبارهم يعني في حال فرارهم من ساحة المعركة، ومنها أن الكفار يُجهَز على جريحهم وأما البغاة فإنهم لا يجهز على جريحهم، ومنها أن الكفار يُقتل أسيرهم وأما البغاة فالصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه لا يجوز قتل أسيرهم، ومنها أن الكفار يجوز سبي نسائهم وأما البغاة فهم مسلمون ونسائهم مسلمات فلا يجوز سبي نسائهم ولا ذراريهم، ومنها أن الكفارَ تُقَّسَّم أموالهم تُغنم أموالهم وتُقسَّم وأما البغاة فلا يجوز تقسيم أموالهم وإنما هي أموالٌ لمسلم لها حرمةُ مال المسلم الصالح التقي كما لها حرمةُ وهكذا أموال البغاة، إذن هذه مُجمل الفروق التي تكون بين قتال البغاة وبين قتال الكفار سواء كانوا مرتدين أو كانوا كفارًا أصليين.
فهذه الآية التي نحن في صدد الحديث عنها قال الله عز وجل فيها: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} هذا أي قتالٍ يقع بين طائفتين من المسلمين وكما نعلم فإن دوافع القتال التي تقعُ بين المسلمين متعددة قد تكون الدوافعُ شرعيةً بمعنى أن تكون هناكَ طائفة من قطاع الطرق المفسدين في الأرض الذين يصولون على دماء الناس ويسطون على أموالهم فقتال هذا مشروعٌ وقد أمرَ بهِ الشرع، وقد يكون دافع القتالِ على أمرٍ من أمور الدنيا كقتال العصبية الذي يقع بين القبائل وبين طائفتين من المؤمنين، فهذا قتال مذموم، والقاتل والمقتول فيهِ في النار، وهو الذي يشمله قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا التقى المسلمانِ بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار"لماذا؟ لأن قتالهم على أمرٍ من أمور الدنيا.
الأمر الثالث قد يقع القتال بين طائفتين من المسلمين في حقٍ ملتبس، يعني لا يميز من المصلح فيهم ومن المبطل من المحق فيهم ومن الظالم ومن المظلوم، الحق ملتبس وكل طائفةٍ منهما تدَّعي أن الحق في جانبها فهؤلاءِ يحرم وقوع القتال فيما بينهم وقد يكون بعضهم معذورين بتأويلهم في ما يدعونه من الحق.
إذن أسباب وقوع القتال متعددة بين المسلمين، وهذه الآية التي تتكلم هنا هو القتال الذي يقعُ على غير الصفة المشروعة، يعني إما على أمرٍ من أمور الدنيا أو يقع قتال في أمرٍ ملتبس الحق فيه الحق ليس مبين ليس واضحًا، فهنا قال الله عز وجل وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فأمرَ المسلمين الآخرين بالسعي للإصلاح بين هاتين الطائفتين والإصلاح إنما يتمُّ بماذا؟ بتبيين من هو صاحب الحق ومن هو الظالم ومن هو المظلوم والصلح إنما يقع بتنازل أحد الطرفين عن حقه أو عن شيءٍ من حقه، وأما إذا تمسك كل طرفٍ بحقه وتشبث به وتعصب إليه فلا يمكن أن يقع الصلح.