الشاهد من هنا أن الواجبَ على المسلمين عند وقوع قتالٍ بين طائفتين منهم أن يسعوا وأن يبذلوا قصارى جهدهم للإصلاح بين هاتين الطائفتين وإيقاف القتال، وهذا الصلح كما ذكرنا من قبل أجرهُ عظيمٌ عند الله عز وجل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ألا أدلكم على ما هو أفضل من درجةِ الصيامِ والصلاةِ والزكاة، قال الإصلاح بين الناس"وكما قال الله عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} ، ولهذا فالشرع دائمًا يحرصُ على الصلح حتى في المشاكل الخاصة التي تقع بين الرجل وأهلهِ، حتى وحضَّ على ماذا؟ على الصلح {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} فالصلح أمرٌ محمود ومطلوب والشريعة تحثُّ وتحضُّ عليه فالمسلمون مطالبون بماذا؟ بأن يسعوا لنزع فتيل الحرب الذي يقع بين طائفتين من المؤمنين.
إذن هذا هو الأمر الأول والمرحلة الأولى التي يجب على المسلمين أن يقوموا بها وهي السعي لإيقاف القتال وإصلاح ذات البين الذي أجج وحصل بسببه القتال، قال الله عز وجل: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا} فإن بغت البغي الذي يقع هنا فسَّره العلماء بواحدٍ من أمرين، قالوا إما أن يكون البغي بعدم إذعان إحدى الطائفتين للصلح أصلا يعني بعد أن يسعى الناس للإصلاح وتقبل إحدى الطائفتين وتقول أنا مستعدة للصلح وأن أتنازل عن شيءٍ من حقي إلا أن إحدى الطائفتين تستمر في القتال ولا تذعن لمطالب المصلحين، فهذا هو البغي يعني البغي بعدم إيقاف القتال مع وجود سببِ الإيقاف من الطرف الآخر ومع وجود السعي من المسلمين واضح؟
وبعضهم فسَّر البغي بأنه بعدما حصلَ الصلح وتوقف القتال وأرادت كل واحدةٍ من الطائفتين تنازلت عن حقها وأرادت وقف القتال {بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} يعني نشبت وأعادت القتال مرةً أخرى بعد الصلح بعد حصول الصلح واضح؟
فإذن قول الله عز وجل هنا {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا} يحتمل يعني بغت استمرت في بغيها وعدم إذعانها للصلح مع وجود سببه، أو إنها بغت يعني نقضت الصلح وأعادت القتال للطائفة الأخرى بعدما اتفق الجميع على المصالحة.
{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} إذن هذه هي المرحلة الثانية وهي قتال الطائفة الباغية التي تبيَّن ظلمها و ظهر أنها تريد القتال وتستمر في سفك دماء المسلمين مع ظهور أن الظلم في طرفها بعدم إنقيادها للصلح أو بنقضها له، فهمتم هذا يا إخوة؟
قال الله عز وجل: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} إذن هنا انظر في الأول أمرنا الله سبحانه وتعالى بالسعي لإيقاف القتال وهنا أمرنا بالقتال بالدخول في القتال لماذا؟ لأن هناك من الأمراض والفساد مالا يحسم إلا بالقتال، يعني هذه طائفة سعى الناس للإصلاح وتنازلت الطائفة الأخرى وظهر من هو صاحب الحق ومع ذلك هي تبغي وتسفك دماء المسلمين، هذه أصبحت لا حل لها ولا طريقة لكف شرها إلا بقتالها وهو أمرٌ شرعي، وهنا إما أن يكون هناك للمسلمين إمامٌ يقوم عليهم فالواجب القتال مع الإمام ضدَّ الطائفة الباغية وإما أن يكون هذا القتال في زمنٍ ليس فيه إمام وهذا يقع كثيرًا، والآن ليس هناك إمام للمسلمين وكثيرا ما يحصل القتال بين طوائف المسلمين