فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 967

قال الله عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

نادى الله سبحانه وتعالى المؤمنين بهذه الصفة التي لها مقتضيات ولها لوازم وعليهم أن يُحققوها بأعمالهم التي هي طاعة الله عزَّ وجل واجتناب ما نهى الله عزَّ وجل عنه، فمما نهى الله سبحانه وتعالى عنه المؤمنين إن كانوا مؤمنين والذي عليهم أن يلتزموا به هو أن يسخرَ بعضهم من بعض والسخرية هي الاستهزاء بالآخرين وهي احتقارهم وازدرائهم، فقال الله عز وجل هنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} يعني لا يستهزئ قومٌ من قوم آخرين، ولا يحتقر قومٌ قومًا آخرين وهذه السخرية سواءٌ كانت بالقولِ أو بالفعل أو بالإشارة أو بكل ما يفهم استنقاص أخيك المسلم وبكل ما يفهم احتقار أخيك المسلم وبكل ما يفهم ازدراء أخيك المسلم فهذا كله نهى الله سبحانه وتعالى عنه بهذه الكلمات، وإلا فهذا المسلم الذي أنت تسخر منه وتزدريه وتحتقره وتظن نفسك أفضل منه قد يكون أفضل عند الله عز وجل ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: {عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} فإن الخيرية الحقيقية هي المنزلة التي ينالها العبد عند الله عز وجل، أنت قد ترى هذا الإنسان فقيرًا ضعيفًا وربما عاصيًا لله عز وجل، وقد تراه قبيحًا وقد تراه وضيعًا في شرفهِ فتحتقره وتزدريه وتترفع عليهم وتظن نفسك خيرًا منه، وتكون منزلة هذا الإنسان بحسب خشيته لله ومراقبته لله سبحانه وتعالى ومحبته لله عزَّ وجل أضعاف أضعاف ما تظنه أنت في نفسك.

ونضرب لذلك مثلًا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نتكلم عن احتقار المسلم يعني أن مجردَ وقوع الإنسان في المعصية هذا لا يدفع المسلم إلى أن يحتقره وأن يزدريهم وأن يمتهنه، كان هناك رجلٌ من الصحابة يداعب النبي صلى الله عليه وسلم معروفًا بكثرة مزاحه وكان يُضحك النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الصحابي كان يشرب الخمر كثيرًا فيشرب الخمر ثمَّ يُؤتى به فيُجلد يقام عليه الحد فيرجعُ مرةً أخرى ويشرب الخمر ثمَّ يُجلد فمرةً من المرات جيء به وقد شرب الخمر فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يجلدوه أن يقيموا عليه الحد فقال أحد الصحابة:"لعنه الله ما أكثر ما يُؤتى به"، يعني في كلِّ مرةٍ يُجلد ويشرب الخمر يُجلد ويشرب الخمر ويشرب الخمر ألا يتقي الله ألا يستحي من نفسه فلعنه غضبًا لله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم سمع هذه الكلمة، فقال"لا تلعنه أما إني قد علمتُ أنه يحبُ الله ورسوله"انظر! رجل يشرب الخمر بل يكرر شرب الخمر والنبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لعنَ في الخمر عشرة منهم من؟ شاربها، النبي صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر وهذا الصحابي إنما قالها حمية لله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابي عن أمرٍ في قلب هذا الإنسان بإخبار الله عز وجل وإطلاعه لنبيه عليه، هذا الصحابي لم يعلمه ولم يطَّلع عليه وهو محبة هذا الصحابي الذي كان يشرب الخمر لله عزَّ وجل وللنبي صلى الله عليه وسلم فكانت هذه المحبة منعت من لعنه، فكذلك الإنسان قد ترى أنت إنسانًا صاحب معصية وصاحب مخالفةٍ لأمر الله عز وجل فتأخذك الحمية فتقول كلمةً والأشد من ذلك هو احتقارك لهذا المسلم الاحتقار شيءٌ غير الإنكار، يعني تنكر نعم على هذا العاصي وتُحذر منه وتبين ما هو فيه من مخالفة أمر الله عزّ وجل وتهجره إن احتاج إلى الهجران، ولكن هذا شيء لأنه بضوابط شرعية وبأصول شرعية وبآداب شرعية واحتقاره وازدرائه شيءٌ آخر لماذا؟ لأن الإنسان كما ذكرنا بالأمس الإيمان عندنا نحن قولٌ وعمل يدخل فيه الأعمال الظاهرة ويدخل فيه أعمال القلوب وتفاوت العباد الحقيقي بما في قلوبهم من محبة الله عز وجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت