ومن خشيته ومن رهبته ومن مراقبته ومن شكره ومن التوكل عليه والإنابة إليه والحياء منه سبحانه وتعالى، فهذه الأعمال التي في القلوب لا تطلع عليها أنت ولا يطلع عليها غيرك، فربما أنت تزدري الإنسان وتحتقره بماذا؟ بحسب ما ظهر لك من أعماله الظاهرة هذا إذا كان عمله مخالفةً لأمر الله عزّ وجل ولكن يخفى عليك ويغيب عنك شيءٌ عظيم من أعمال القلوب التي تكون في قلب هذا الإنسان.
إذن علينا أن نحترز من احتقار الآخرين ومن ازدرائهم، فكيف إذا كان هذا الاحتقار والازدراء مبنيًا على أمرٍ من أمور الدنيا ليس غضبًا لله عز وجل يعني إنسان يحتقر إنسانا لأنه قبيحٌ في منظره، إنسانٌ يحتقر إنسانًا ويسخر منه لأن ثيابه رثّه إنسان يحتقر إنسانًا آخر لأنه فقير إنسان يحتقر إنسانا آخر لأنه جاهل إنسان يحتقر إنسانا آخر لأنه وضيع في نسبه، هذه كلها لا قيمة لها في ميزان الله عز وجل.
فالإنسان عليه أن يعرف قدره وسخريتك بأخيك المسلم واحتقارك له هو وضعٌ من شأنك أنت لماذا؟ لأنك ارتكبت عملًا قبيحًا في دين الله عزّ وجل فقد يكون هذا الإنسان صاحب توبة صاحب إنابة وأنت في نفس الوقت تعصي الله عزل وجل باحتقاره فقد وضعت من منزلتك ومن مكانتك.
فقال الله عز وجل هنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ} لا يسخر طائفة من الناس بطائفة أخرى من الناس ولا يسخر رجل من رجل آخر لماذا؟ عسى أن يكونوا خيرًا منهم يعني ربما يكون هؤلاء القوم المسخور منهم خيرًا ممن سخر منهم، خيرًا عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى وهذا هو الأمر الذي لا يطلع عليه إلا الله عز وجل علام الغيوب.
{وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} يعني ولا يسخر نساءٌ من نساء، قال العلماء كلمة القوم في الأصل تشمل الرجال والنساء هذا عند بعض أهل اللغة يقولون هذا، وبعضهم قال نحن نعلم في عرف الشرع إذا خاطب الله المؤمنين وقال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يدخل فيه الرجال والنساء كأي تكليف شرعي، إلا أن الله عز وجل في هذا الموضوع أفرد ذكر النساء عن ذكر القوم لماذا؟ قالوا لأن السخرية في النساء بعضهن من بعض أكثر من ماذا؟ من سخرية الرجال بعضهم من بعض، فالله عزّ وجل خصهن بالذكر لما ينتشر بينهن من الازدراء لبعضهن والاحتقار لبعضهن والسخرية لبعضهن وتحقير بعضهن، فقال الله عز وجل هنا {وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} يعني ولا يسخر أو ولا تسخر نساءٌ من نساء سواء كان بسبب جمالها أو بسبب مالها أو بسبب شرفها أو بسبب حسبها أو بأي سبب من الأسباب الأخرى لماذا؟ السبب واحد {عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} يذكر بعض المفسرين هنا أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يذكرونه هنا ويذكرونه أيضا في باب الغيبة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:"حسبك من صفية أنها هكذا"وأشارت إلى قصرها يعني يكفيك عيبا في صفية رضي الله تعالى عنها وعن عائشة أنها قصيرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة:"لقد قلت كلمةً لو مُزجت بماء البحر لمزجته"يعني هذه الكلمة البسيطة التي تلفظتي بها لو مُزجت لو خلطناها بماء البحر لغيرت طعم ماء البحر, لماذا؟ لأنها يعني شيء عظيم هذا الأمر الذي تكلمتِ به.