فليعلم المجاهدون في كل ساحات الجهاد أنّ رحلة هذه العبادة الشريفة لا بد أن يتخللها شيءٌ من الخوف بتضييق أعداء الله عليهم وتخطفهم لهم, وشيءٌ من الجوع وقِلّة الأموال ونقص الأنفس فتُصبح المعركة عندها معركة صبرٍ ومصابرة وليستبشر الصابرون الذين لا ينكصون على أعقابهم ولا يعطون الدنية في دينهم ولا يضعفون في مواجهة عدو الله وعدوهم, وليكن قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعدما أصابهم يوم أحد من القتل والجِراح وذهاب النصر ما أصابهم فلم يفُتّ ذلك في عضدهم ولم يوهن عزمهم وعزيمتهم فقاموا في اليوم الثاني بجراحاتهم الغائرة ودمائهم الجارية وقلوبهم الحزينة نافرين في سبيل الله لمعاودة الكرّة على أعدائه وإظهار التجلّد والصبر والقوة أمامهم فأنزل الله فيهم آياتٍ كريماتٍ تُحيي القلوب وترفع الهِمم وتبعث على الائتساء بأولئك الهداة المهتدين, قال تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ*الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) .
وإنّ عزاءنا في كل ما يصيبنا أن نحتسب أجره عند الله عز وجل ولنستعن على ذلك بالصبر والصلاة كما قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) , ولتبقَ هِممنا عالية وقلوبنا واثقةً بوعد الله نابذين للوهن والضعف والخور عنا, فما يصيب أعداءنا المجرمين لا يقل عمّا يصيبنا, فإن صبروا فنحن أحق منهم بالصبر, وإن تجلّدوا فنحن أولى منهم بالتجلّد, كما قال عز وجل: (وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) , فديننا العظيم قائمٌ على عقائد راسخة وقيمٍ سامية ومبادئ شامخةٍ باقية لا تزيدها دماء الشهداء إلا علوًّا وسموًّا, وستبقى سيرهم نورًا يستضيء به السائرون على دربهم ومناراتٍ يهتدون بها على طول طريقهم, ولو كان الإسلام يذهب بموت أحد لتلاشى يوم أن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكص من نكص على عقبيه وضجّت الأرض وارتجّت بالردّة والمرتدين؛ فأقام الله لهم الصِّدِّيق بحزمه وعزمه وقوته وإصراره فقطع دابرهم وبدّد شملهم وفلّ حدّهم حتى رجعوا إلى الدين طوعًا أو كرهًا, قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) , فهذا هو السبيل وإنّا به إن شاء الله مستمسكون وعليه سائرون ولأعداء الله مناجزون حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين, ونسأل الله ثباتًا دائمًا على الدين وشهادةً نُرافق بها النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين.