هي الأرض التي وشتها قلائد التضحيات، وحلتها نوادر البطولات، وسطرت في ربوعها أروع المواقف، وساحت على رباها أزكى الدماء، وتكسرت في ملاحمها قوى الباطل الزهوق حتى وقف هرقل وهو أسيف كسيف والحسرة تأكل قلبه والعجز يحوط جيشه ليقول (وداعًا يا دمشق، وداعًا لا لقاء بعده) .
فما كان لموطنٍ كهذا أن يغور ماؤه وينقطع عطاؤه، ويتلاشى خيره، ويتبدد بره، مهما بعد الزمن وعظمت المحن، وتراكمت الفواجع، وتتابعت المواجع، فمراقد الأبطال الذين دوخوا حشود الصلبان، وكسروا جنود الطغيان لا زالت شاهدة على عطائها وسخائها، ولم تزل توقظ النائم، وتنشط المتكاسل، وتنبه الغافل، وتؤمل اليائس.
إنها الأرض التي يرقد فيها ذلك الضرغام، منقذ بيت المقدس من عبيد الصليب وجنودهم الطغام، الذي جاء على قدرٍ والأمة في تمزق شملها، وتشتت حالها، واستعلاء أعدائها، فشحذ سيفه، وكسر غمده، وصرخ في الأمة صرخة النذير العريان، يدعوها إلى الإيمان ويحضها على الجهاد ويردها إلى مسالك التضحية التي تهيأت للشرود منها، ويحذرها من مهالك الهوان، فارتفعت راية الحق، ونكست رايات الباطل، وزحزح الظلم، وتمكن الحزم، إنه صلاح الدين، الذي كان صلاحًا للدين:
ومن لم يزل يقظان في المجد والعلى ... وقد نعس الأقوام في المجد أو غطوا
همام لدى الهيجاء تعنو لبأسه ... أسود الشرى يوم الهياج إذا يسطو
خبير بكر الخيل في حوة الوغى ... إذا راع نكس القوم من صوتها عط
فحق لبلاد الشام أن تتبختر اليوم وتتباهى، بأن تصل حاضرها بماضيها، وتنقش في ذاكرتها اسم رجلٍ من رجال الأمة الذين حيوا بالدين وللدين، فما قيدتهم أرض -ولو كانت مباركة-، ولا كبلتهم دعة، ولا استهوتهم ملذات، ولا خدعتهم زخارف الدنيا، فتركوا الديار، وودعوا الأهل، وفارقوا الأحبة، وهاجروا ليبذلوا زهرة أعمارهم في أرض الغربة، ليخرجوا دينهم من طوق الغربة، وشحنة الإيمان تدفعه واستعلاؤه يرفعه حينما يتردد في أعماق قلبه الطيب: {إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة/24]
فعلى طريق الشهادة والفداء، تقدم ثابت الخطى، قوي الجأش، صارم العزيمة، لينضم إلى قافلة أبناء الأمة البررة، وحماتها الشرفاء، وأسودها الغرباء، وأبطالها النجباء، من الذين نذروا أنفسهم لأن يقيموا بدمائهم وأشلائهم سدًا رفيعًا وردمًا منيعًا تتحطم عليه أساطير وأوهام عباد الصلبان من الأمريكان وأذنابهم ولا زال هذا السد يرتفع يومًا فيومًا فما اسطاع الكفرة أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ