فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 967

يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [الصف/4] ألا وهو الأخ الحبيب والرفيق اللبيب (أبو عبد الله الشامي) رحمه الله تعالى وأسكنه الفردوس الأعلى بمنه وكرمه.

فمن قدر الله تعالى أن أول لحظة أرى فيها أخي (أبا عبد الله الشامي) كان مكبل اليدين والرجلين في سجن بگرام، وهو وإخوانه يساقون إلى موطن الاغتسال، فوقفوا هنيهة ينتظرون، ولا يحجز بيني وبينه إلا شبك القفص الذي كنت بداخله، وكنا إذ ذاك ممنوعين من الكلام، فاختلسنا لحظة غفلة من جنود الصليب لأتعرف عليه، فانساقت إلي من طَرَفه كلمات خافتة لم تشفِ غليلي، إلا أن الشيء الذي لم يستطع الجنود البله أن يمنعوا منه أخي (أبا عبد الله) هو إرسال بسماته الحية من قسماته الوضيئة التي لا تكاد تنقطع حتى صارت كالسجية فيه، فعجبًا لأسدٍ يبتسم وهو مكبل مصفد والأسوار تحيط به من كل جانب، ولكن فيمَ العجب إذا كانت القلوب عامرة بالإيمان تسرح في رياضه حيث شاءت لا يردها سور، ولا يمنعها حجاب ويتردد في أعماقها صدى لكلمات لا يدركها الصم البكم الذين لا يعقلون:

أخي أنت حر وراء السدود ... أخي أنت حر بتلك القيود

إذا كنت بالله مستعصما .... فماذا يضيرك كيد العبيد

ثم مضت الأيام بل والشهور في ذلك السجن المصمت حتى اجتمعنا مع عدد من الإخوة في غرفة واحدة، فكان ذلك اليوم لنا كالعيد، وما هي إلا بضعة أيام حتى نقلنا إلى سجن قندهار المقام في مطارها، فعزمنا على الفرار من هناك لأن السجن كان مفتوح الأرجاء وأسيجته عبارة عن أسلاك شائكة وهي لا تعني لمن عزم على الفرار شيئًا، ولكن شاء الله أن نعاد إلى سجن بغرام مرة أخرى قبل شروعنا في الفرار بـ (15) ساعة فقط.

ثم مضت الشهور ونحن جميعًا نتنقل من زنزانة إلى أخرى ومن قفص إلى قفص حتى كتب الله لنا النجاة وأنوف عباد الصليب مرغمة فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم، وما إن تجاوزنا سياج قاعدة بجرام بقليل حتى سمعت أبا عبد الله الشامي يعاهد الله على الاستمرار في الجهاد، وفيما نحسب أنه قد وفى بما عاهد الله عليه، فلعله كان ممن قال الله تعالى فيهم {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب/23]

رحمك الله يا أبا عبد الله، خلقٌ رفيع، وابتسامة دائمة، وقلب صافٍ، وجناح مخفوض، وعقل راجح، ورأي بصير، وحرقة متقدة، وتأسف على أمة الإسلام، وشوق إلى الشهادة وحرص عليها ووجل دائم من فواتها، ومَن سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه، فكيف وقد نلتها وأنت مقبل غير مدبر، صابرٌ محتسب -كما نحسبك الله حسيبك- بعد رحلة البلاء والشدة، والعناء والمصابرة، وعند الصباح يحمد القوم السرى، فاسعد بصحبة الأخيار -إن شاء الله- ولا أسف على دنيا ذهبت لتحل محلها جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت