فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 967

السياسي المحنك والصحفي الكاتب المحلل، وتبلغ إلى المحب المواد والعدو البغيض والمتأرجح بين هؤلاء وهؤلاء، ويعتني بها المسلمون على اختلاف أفهامهم ومستوياتهم واتجاهاتهم ومدارسهم وكذلك الكفار على تنوع مسالكهم ومواقفهم ومنطلقاتهم، ويتلقفها الساذج الأبله والماكر الكائد الخبيث، وباعتبار منزلتكم ومقامكم ومن خلال كلماتكم بين الحين والحين يتم تقويم مستوى دولتكم الموقرة وتحديد سياساتها، ومعرفة مواقفها من قضايا كبرى وصغرى متعددة، وبها تزداد طمئنينة المحبين المناصرين الموالين أو تتسرب إلى نفوسهم الرِّيَب والشكوك والتضعضع في المواقف

فهذا الأصل أو المنطلق -أيها الأمير المكرم - لا بد من اعتباره والاعتداد به لزومًا قبل الشروع في كتابة الخطابات وتناول القضايا واتخاذ القرارات ليأخذ كل طرف من هؤلاء ما يستحقه ويناسبه شرعًا وواقعًا حتى لا تكون النتائج عكسية، وكل هذا يجمعه: [حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله] ، وكما في صحيح مسلم عن عَبْد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: [ما أنت بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلا كان لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً] .

وتأمل معي أيها الأمير المكرم هذه النصيحة البليغة الوافية الكافية التي تفصح عن فقه في أداء الحق وعمق في معرفة الناس وخبرة وضع الكلمات في محالها، وذلك كما في البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلغه أن رجلًا قال لو مات عمر لبايعت فلانًا، فقال عمر: [إني إن شَاءَ الله لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ في الناس فَمُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ أُمُورَهُمْ] فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه [يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَفْعَلْ! فإن الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ الناس وَغَوْغَاءَهُمْ، فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ على قُرْبِكَ حين تَقُومُ في الناس، وأنا أَخْشَى أَنْ تَقُومَ فَتَقُولَ مَقَالَةً يُطَيِّرُهَا عَنْكَ كُلُّ مُطَيِّرٍ، وَأَنْ لَا يَعُوهَا وَأَنْ لَا يَضَعُوهَا على مَوَاضِعِهَا، فَأَمْهِلْ حتى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الْهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، فَتَخْلُصَ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَأَشْرَافِ الناس، فَتَقُولَ ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا فَيَعِي أَهْلُ الْعِلْمِ مَقَالَتَكَ، وَيَضَعُونَهَا على مَوَاضِعِهَا، فقال عُمَرُ والله إن شَاءَ الله لَأَقُومَنَّ بِذَلِكَ أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ]

ومضمون هذه الكلمات البليغة الشريفة المنيفة هو عين ما أردناه، فلإن كان موسم الحج هو أعظم تجمع يضم المسلمين آنذاك، والعرب مع بلاغتهم وقوة أدائهم لمرادهم، وقدرتهم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت