فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 967

أبو محمد التركستاني, أبو الدرداء الكردي, عبدالحنان الأفغاني, وغيرهم من الذين تركوا وراءهم إرثًا حيا، وعطاءً متدفقًا من علو الهمة وصرامة العزم واستسهال الصعاب وقوة الإصرار، تغترف منه أمتهم من بعدهم، فيفجر فيها طاقات كامنة ساكنة، فينشأ على ذكرى صنائعهم والتخلق بسيرتهم من يسد ثغرتهم ويقتدي بفعالهم مصداقا لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته"، فأمّتنا هي الأمة الولود.

واليوم ها نحن نودعُ قائدًا فذًا من هؤلاء القادة النبلاء، الذين صنعتهم العقيدة، وصهرتهم الحادثات، وحركهم الإيمان، وحقّر المخاطر عليهم الشوق إلى الجنان، ليلحق بإذن الله بذلك الركب المهيب، وينضم إلى تلك القافلة المباركة قافلة الشهداء، إنه المقدام المغامر، وليث الحروب، وخوّاض الغمرات، (الملا داد الله) - رحمه الله -، فبعد حياة قضاها في ساحات النزال، ومجالدة أهل الكفر والضلال، بلسانه وسِنانه، وعطّرها بالتحريض الدائم لأبناء أمّته، وبعث أمل النصر في قلوب البائسين اليائسين، وتصبير ومواساة المصابين المنكوبين، كان مسك الختام لهذه الحياة الحافلة، شهادة في سبيل الله -نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله-، فأكرم بها من خاتمه, وأنعم بها من نهاية, فلئن كان مصابنا بفقده عظيما عظيما، فإنّ عزاءنا بحسن خاتمته ونيل طلبته أجلّ وأجلّ، فكفى بالقرآن عند المصاب معزيا، وبآياته البينات لغمّة النوائب مجليا، وبنوره المشرق لظلمات الأحزان مبددا، فبه تطمئن القلوب، وتسكن النفوس، ويضمد الجرح، فليكن زادنا إذًا عند كل مصيبة، وسلوانًا نقدمه قبل أيةِ رزية، ففيه نتلو العزاء قبل البلاء {وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ*وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، فأسلافنا الذين هم سادتنا وأسوتنا كانوا مضرب المثل بالصبر عند البلاء، والتجلد أمام الملمات، والتمالك والتماسك في وجهها، فلا جزع ولا هلع.

ليسوا مفاريح إن نالت رماحُهمُ ** قومًا وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا

هكذا نعتهم وهكذا بإذن الله سنكون، فهؤلاء الرجال كما كانوا يُحيون الأمة بفعالهم، ويستنهضون هممها بإقدامهم، ويدفعونها نحو التضحية بصدق كلماتهم، فسيُحيونها بإذن الله بدمائهم، ويوقظونها بعجائب قصصهم، ويحركون عجلتها بحسن آثارهم، فإذا هم كأن لم يموتوا!

إن آثارنا تدلُّ علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار

حقًا إن قصة العقيدة واحدة، ومدرستها باقية، وأبوابها مفتّحة، فدرجة المرء فيها بحسب اجتهاده وجهاده، وصدقه وإخلاصه، وهمته وصبره، فهذه صفحةٌ مشرقةٌ من الماضي، يخط أحرفها نور اليقين، ويحكي فصولها الشوق للقاء رب العالمين، لا مكان فيها للأحساب والأنساب ولا الأجناس ولا الألوان، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت