فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 967

كان عمرو بن الجموح رضي الله عنه رجلًا أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسُد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلمّا كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله عز وجل قد عذرك. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة, فخرج معه وقتل يوم أحد شهيدًا!

واليوم, ونحن في زمن الترف والسرف، والزهو واللهو، والتثاقل إلى الأرض، تُعاد قصة العقيدة بصورتها، وتتجدد بتفاصيلها، لأن لها رجالًا يعرفون قدرها، ويأخذون من معينها، ويسيحون في رحابها، تُبتر ساق الملا داد الله -رحمه الله- في ساحات الوغى وهو يخوض غمرات الشدائد، فكان يمكنه أن ينأى بنفسه جانبا، ويريح نفسه من مشقة ملازمة، ونصب دائم، ويتلو عذره الذي عذره الله به {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ، ولكن روح الإيمان التي يحيا بها، ولذة الجهاد التي ذاقها واعتادها، ومعاني العزة التي جرت في عروقه جريان الدم أبت عليه ذلك، واختار لنفسه أن يكون من طائفة الصدق، وعصابة الفلاح الذين قال الله فيهم {لا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} .

فما غمزته الحرب إذ شمرت له *** ولا خار إذ جرّت عليه الجرائر

فذهبت ساقه وسبقته -إن شاء الله- إلى حيث يحب، وبقي وفيًا لها مستمسكًا بالسبيل الذي ودعها فيه، وأنف أن يكون من المنقبين عن الأعذار، المختلقين للحجج، المموهين لخورهم بأوهى الأسباب، طائفة المخلفين المخذولين الذين قال عنهم العليم الخبير: {إِنَّمَا يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} ، ليعيد لنا برجله الواحدة قصةً مضت، ويقول بفعله الصريح الفصيح: إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة.

نعم إن الملا داد الله -رحمه الله- لم يتخرج من كلية عسكرية ليبرز إلى أمته بعد سنواتها، وهو عبد للخميصة والقطيفة والدرهم والدينار لا يتقن إلا قرع النعال ودق الطبول وألحان المزامير وإسداء التحايا, ولكنه تخرج من مدرسة مفتاحها: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .

ووسامها: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} .

وشهادة تخرجها: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

وإن الملا داد الله -رحمه الله- لم ينل شهادته وألقابه من جامعة دبلوماسية ليتخرج منها وقد أتقن تصعير الخدود وفذلكة الكلام، واختراع الأكاذيب، والتمايل والتصنع أمام وسائل الإعلام، وإنما نال ما نال بعزة الإسلام، واستعلاء الإيمان، وبساطة الحق، واحتقاره الباطل، ولواؤه في ذلك قولةُ عمر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت