فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 967

إلا أن المقاومة والإصرار وعدم الاستسلام والامتناع عن الاستئسار أولى وأفضل وإن أدى إلى القتل لما فيها من حفظ المرء نفسه وعرضه ونيله الدرجة العلية بالشهادة في سبيل الله ولهذا قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:

[وإذا خشي الأسر فالأولى له أن يقاتل حتى يقتل، ولا يسلم نفسه للأسر، لأنه يفوز بثواب الدرجة الرفيعة، ويسلم من تحكم الكفار عليه بالتعذيب والاستخدام والفتنة، وإن استأسر جاز لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عشرة عينا ... ] [1] .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الفوائد المستقاة من الحديث المذكور:

[وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يُمكِّن من نفسه ولو قتل أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك، وقال سفيان الثوري: أكره ذلك] [2] .

فالصورة التي وقعت بها حادثة الصحابي خبيب ومن معه رضي الله عنهم، هي وقوعهم في حصار تام وكثرة من أعدائهم، مع تيقنهم أو غلبة ظنهم أنهم مقتولون جميعًا إن لم يستسلموا، ولهذا فقد قتل كل من أبى الاستئسار منهم أو تراجع عنه فيما بعد، وهذا مع انعدام سبيل الهروب والانسحاب، وهي الصورة التي ينبغي أن يُقتصر فيها على الجواز ويُحصر فيها الحكم، ولهذا فإننا نلاحظ أن بعض الفقهاء الذين نقلنا كلامهم آنفًا قيدوا جواز الاستئسار بقيدين:

الأول: أن لا تكون لدى المسلم الطاقة والقدرة على المقاومة، ويدخل في هذا كثرة عدد الكفار، أو فقدان المجاهد للسلاح أصلًا، أو انتهاء ذخيرته.

الثاني: أن يحاصر بحيث لا يجد سبيلًا للهروب والانسحاب، وقد نص الشافعية على شروطٍ أخرى يلزم توافرها في المسلم حتى يجوز له الاستئسار وهي:

[أن يخاف أن يترتّب على عدم الاستسلام قتله في الحال، وألاّ يكون المستسلم إمامًا، أو عنده من الشّجاعة ما يمكنه من الصّمود، وأن تأمن المرأة على نفسها الفاحشة] .

(1) المغني (9/ 255) .

(2) فتح الباري (7/ 481) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت