فهرس الكتاب

الصفحة 455 من 967

على حب الانتقام بحق أو بغير حق وأن يتحققوا من دعاوى أعذار من يقع في ورطة مساعدة النظام من هؤلاء المستسلمين، وأن لا يبنوا أحكامهم (التكفير والقتل) على مجرد الظنون والأوهام والحدس والتخمين من غير تحقيق للواقع وتدقيق في الظروف، وأن ينظروا في آحاد المسائل ويعطوا كل صورة حقها.

ولا يقال إن مثل هذه الأحوال لا يتصور فيها الإكراه، وهذا الكلام قد يكون صحيحًا على وجه التعميم ولكن بالنظر إلى أعيان الوقائع والظروف التي تحيط بالناس واعتبار أن الغلبة والقهر والتمكين الآن بيد المرتدين والصولة والجولة والدولة لهم فلا يبعد أن يقع ذلك في بعض الحالات كما جاء في الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت:

[عَبَثَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئًا في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: (العجب! إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم) ، فقلنا: يا رسول الله إن الطريق قد يجمع الناس؟ قال: (نعم فيهم المستبصر، والمجبور، وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم) ] [1] .

قال الإمام النووي في شرحه للحديث: [أما المستبصر فهو المستبين لذلك القاصد له عمدًا، وأما المجبور فهو المكره، يقال أجبرته فهو مجبر هذه اللغة المشهورة، ويقال أيضا جبرته فهو مجبور، حكاها الفراء وغيره وجاء هذا الحديث على هذه اللغة، وأما ابن السبيل فالمراد به سالك الطريق معهم وليس منهم، ويهلكون مهلكًا واحدًا أى يقع الهلاك في الدنيا على جميعهم ويصدرون يوم القيامة مصادر شتى أى يبعثون مختلفين على قدر نياتهم فيجازون بحسبها، وفى هذا الحديث من الفقه التباعد من أهل الظلم، والتحذير من مجالستهم، ومجالسة البغاة ونحوهم من المبطلين لئلا يناله ما يعاقبون به وفيه أن من كثر سواد قوم جرى عليه حكمهم في ظاهر عقوبات الدنيا] [2] .

وكما جاء في كتب السيرة وغيرها بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأصحابه: (إني قد عرفت رجالًا من بني هاشم وغيرهم قد خرجوا كرها لا حاجة لهم في قتالنا فمن لقي

(1) صحيح مسلم: 2884.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي: (17/ 10 ـ 11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت