فهرس الكتاب
الإسلام رحمه الله:[قال الزهري وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القران فإنه هدر أنزلوهم منزلة الجاهلية.
وذلك أن الله تعالى بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالهدى ودين الحق، فبالهدى يعرف الحق وبدين الحق يقصد الخير ويعمل به، فلا بد من علم بالحق وقصد له وقدرة عليه والفتنة تضاد ذلك فإنها تمنع معرفة الحق أو قصده أو القدرة عليه، فيكون فيها من الشبهات ما يلبس الحق بالباطل حتى لا يتميز لكثير من الناس أو أكثرهم، ويكون فيها من الأهواء والشهوات ما يمنع قصد الحق وإرادته، ويكون فيها من ظهور قوة الشر ما يضعف القدرة على الخير، ولهذا ينكر الإنسان قلبه عند الفتنة؛ فيرد على القلوب ما يمنعها من معرفة الحق وقصده ولهذا يقال فتنة عمياء صماء، ويقال فتن كقطع الليل المظلم ونحو ذلك من الألفاظ التي يتبين ظهور الجهل فيها وخفاء العلم، فلهذا كان أهلها بمنزلة أهل الجاهلية، ولهذا لا تضمن فيها النفوس والأموال، لأن الضمان يكون لمن يعرف أنه أتلف نفس غيره أو ماله بغير حق، فأما من لم يعرف ذلك كأهل الجاهلية من الكفار والمرتدين والبغاة المتأولين فلا يعرفون ذلك فلا ضمان عليهم كما لا يضمن من علم أنه أتلفه بحق وإن كان هذا مثابا مصيبا وذلك من أهل الجاهلية] [1] .
وأما من لزم طريق الإعانة للطاغوت ضد المجاهدين وداوم عليها وصيَّر نفسه جنديًا محضرًا لهم كلما طلبوه وجدوه، يكلَّف فينفذ، ويؤمر فيطيع، ويستشار فيشير، وهو مع ذلك قادرٌ على الامتناع بالهجرة، أو السفر، أو الصعود للجبال، أو الاختفاء، أو التفلت ولكنه لا يفعله تهاونًا منه ورضى بالدنيا وركونًا إلى الدعة فهذا حكمه حكم غيره من جنود الطاغوت يقتل ولا كرامة، خاصة إذا كان شره عظيمًا وضرره على المجاهدين كبيرًا.
وفي أمثاله يصدق قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} . [2]
ومن هنا فيلزم إخواني المجاهدين -سددهم الله - التحري الواسع، والتثبت الشديد، والاحتياط المستمر، فيجمعون بين ورع في غير ضعف، وحزم في غير تهور، وأن لا يسترسلوا مع ميول النفوس المجردة المجبولة
(1) منهاج السنة النبوية (4/ 547) .
(2) سورة النساء: 97.