فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 967

صبغة الهدنة أو الصلح، وهذا حسب الظاهر وقد يكون في هؤلاء المستسلمين من لم يكن لديه ما يضطره لهذا في الحقيقة ونفس الأمر، بل كان في وسعه أن يصبر ويصابر وينحاز عن طائفة الشر ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، إلا أنه ولفداحة الأمر واتساع البلاء وقوة العارض صار من الصعب التمييز بين المحق والمدعي والفصل بين الصادق والكاذب من طوائف هؤلاء المستسلمين فالاحتياط والورع والتثبت يقتضي أن يُعطَوا جميعًا حكمًا واحدًا.

فالذي يظهر لي والله أعلم: أن من قام بتسليم نفسه في تلك الفترة العصيبة وترك الجبال والقتال وآثر الانعزال فإن له عذرًا في ذلك، وهذا بحسب ظاهر الحال كما ذكرت وحسابهم على الله، وإلا ففي الحقيقة منهم المضطر المعذور ومنهم المتجاوز الموزور، كلٌ وما اقتضاه دافعه وأوجبه ظرفه، وهذا من حيث أصل الاستسلام والذي هو مجرد إلقاء السلاح والنزول عن الجبال والرجوع إلى الحياة كباقي الشعب ولكن عن طريق (بوابة) النظام المرتد، أما من ضم إلى استسلامه بعد ذلك الدلالة على مواقع المجاهدين وإفشاء أسرارهم، والمساعدة في القبض عليهم والوقوف في صف الطاغوت ضدهم فهذا أمر زائد على الاستئسار المجرد.

فالذي أراه في هذا الصنف أن ينظر في أحوال وقرائن ودوافع من ارتكب وتلبس بهذه الأمور كلها أو بعضها لا سيما إذا كان اقترافه لها أثناء اختلاط الأمور وتفاقم أمر"الجيا"الذي بلغ حدًا لا يتصوره عقل حينما اختلط الحابل بالنابل والتبس الحق بالباطل، فإن دائرة الإعذار في تلك الفترة - فيما أرى - أوسع بكثير من الحال الآن، ومن ذا الذي يسمي"الجيا"المارقة بعد أن ركبت الصعب والذلول مجاهدين؟! وما هم في الحقيقة إلا شرذمة من قطاع الطرق واللصوصية وعبَّاد الأهواء وغلاظ الأكباد، فمن وقف مع النظام المرتد ضد أمثال هؤلاء للقضاء عليهم وقطع دابر شرهم فلا شك أنه لا تثريب عليه وليس لأحد عليه سبيل سواء كان عونه للنظام اختيارًا أم اضطرارًا وتلك حقبة من حقب الفتن أرى أن يواري إخواني المجاهدون مآسيها ويطووا صفحاتها ولا يبعد -عندي- أن يصدق فيها قول الإمام الزهري:

[وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر] ، فمن وقع منه الإعانة في تلك الفترة ثم كف شره عن المجاهدين ولزم بيته واعتزل الجميع أرى أن يكف عنه ويترك وشأنه كغيره من عوام الناس التاركين للجهاد، وقد يستأنس في هذا بما قاله شيخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت