فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 967

الثانية: جهة التوسع في كيفة أدائها من حيث التعمد في اختيار ذوي الأصوات الرخيمة لإنشادها والمبالغة في تلحينها حتى صار كثير من تلك الأناشيد تطابق أو تقارب ألحان أهل الفساد وتجري على نسقهم، وأصبح جمٌ غفير من المستمعين لها لا يلتفتون إلى معاني كلماتها أكثر من اعتنائهم بألحانها، وقد يكون في هذا تشبه بأهل الفسق في صنائعهم وسلوكهم، ومثل هذه الأناشيد المتميعة الممطة المائلة المميلة ينبغي للمسلم أن ينأى بنفسه عنها، وهي مميتة للقلب أكثر من كونها محضضة على القتال وجالبة لساحات النزال، قال ابن قدامة رحمه الله:

[وأما الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل فمباح لا بأس به في فعله واستماعه ... وكذلك نشيد الأعراب وهو النصب لا بأس به وسائر أنواع الإنشاد ما لم يخرج إلى حد الغناء] [1] .

فالذي ينبغي للمجاهد خصوصًا، وللمسلمين عمومًا هو عدم الإغراق في الاستماع لهذه الأناشيد، وعدم تعويد النفس عليها فإن النفس قرينة ما تألف، وأن يتخيروا لها أوقاتها المناسبة وأحوالها الملائمة لدفع السآمة وتقوية العزائم وتثبيت النفس عند مواطن الجلاد كل ذلك بما لا يخرج عن الطور المعتاد، بل عليهم أن يكثروا من ذكر الله تعالى كما قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [2] ، وقوله سبحانه: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [3] ، وأن يجتهدوا في تلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار وأن يجعلوه أنيسهم ورفيقهم في كل موطن، فهو خير الكلام الهادي إلى صراط مستقيم.

هذا ولأمير الجهاد أن يمنع من هم تحته من الاستماع لأناشيد معينة يرى فيها ضررًا عليهم في دينهم أو أخلاقهم إما لاشتمالها على ما لا ينبغي من المعاني أو لمشابهتها لألحان الغناء أو لغير ذلك مما يظهر له من المصالح والمرجحات.

وبهذا يُعرف أيضًا أنه لا بأس إن شاء الله من استعمال الإخوة للأناشيد الخالية من الموانع المشار إليها وغيرها، في أشرطتهم التحريضية التي ينشرونها تعريفا بعملياتهم وجهادهم وإرغاما لأعداء الله تعالى ودعوة

(1) المغني (12/ 44) .

(2) سورة الأحزاب: 41.

(3) سورة الأحزاب: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت