ولهذا فإذا تأملنا في بعض المواطن التي كان الصحابة رضي الله عنهم ينشدون فيها الأشعار نراها في الغالب حيثما تحتاج النفس إلى تنشيط وتصبير وتقوية طردًا للملل عنها وشحذا لهمتها في العمل كما كان حالهم عند حفرهم للخندق فعن الْبَرَاءِ رضي الله عنه قال رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الْخَنْدَقِ وهو يَنْقُلُ التُّرَابَ حتى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ وكان رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ وهو يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عبد اللَّهِ بن رواحة:
(اللهم لَوْلَا أنت ما اهْتَدَيْنَا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا ...
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إن لَاقَيْنَا ...
إِنَّ الْأَعْدَاءَ قد بَغَوْا عَلَيْنَا ... إذا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)
يَرْفَعُ بها صَوْتَهُ.
وفيهما أيضًا عن أنس رضي الله عنه قال خَرَجَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إلى الْخَنْدَقِ فإذا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ في غَدَاةٍ بَارِدَةٍ فلم يَكُنْ لهم عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذلك لهم فلما رَأَى ما بِهِمْ من النَّصَبِ وَالْجُوعِ قال:
اللهم إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخرة ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمهاجرة
فَقَالُوا مُجِيبِينَ له:
(نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا ... على الْجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا) [1]
وساق البخاري هذا الحديث تحت باب التحريض على القتال، وقال البدر العيني -رحمه الله- في هذا الحديث: [وفيه استعمال الرجز والشعر إذا كانت فيه إقامة النفوس وإثارة الأنفة والمعرة] [2] .
ومثل هذا كثير مشهور في كتب الحديث لا نحتاج إلى إطالة بذكره.
(1) صحيح البخاري: 3034، صحيح مسلم: 1802.
(2) عمدة القاري (14/ 131) .