ثم إني قد اطلعت على مجمل الرسائل التي راسلتم بها أخانا الشيخ أبا عبد الرحمن حفظه الله، وههنا بعض النقاط التي أردت أن أثيرها وأكتب لكم فيها لعل الله أن يجعل لنا نصيبًا بمشاركتنا لكم في الخير الذي أكرمكم الله به وشرح صدوركم له، فإن الدال على الخير كفاعله.
أولًا: قرأت المحاورة التي كانت بينكم وبين الإخوة الليبيين الذين هم معكم وبينكم، وجزاكم الله خيرًا على اتساع صدوركم وبيان كل الإشكالات التي طرحوها في رسائلهم وإجابتهم عليها بطول نفسٍ وحسن خلق وإحسان ظنٍّ بهم، إلا أن الأمر فيما أرى يحتاج إلى تعمق في علاجه وتتبعٍ لتشعباته لأنه فيما أحسب لن يتوقف عند مطالبة الإخوة الليبيين بما طالبوا به، وإنما سيصبح بعد حينٍ سنةً متبعةً من قبل الوافدين عليكم من المناطق المجاورة وسنرجع بعدها إلى نقطة الصفر التي كنا نظن أننا تجاوزنها وابتعدنا عنها كثيرًا أعني مسألة التنظيمات القطرية وتبني القضايا المحلية والانكفاف على الذات عمليًا وإن كانت الدعوى النظرية خلاف ذلك، فالمسألة إذا لم تعالج علاجًا حقيقيًا جذريًا فإنها ستصبح ظاهرةً في جبهتكم ولن تكون قاصرة على الحادثة التي تجتهدون الآن لعلاجها، خاصة إذا فتح الله عليكم ونلتم شيئًا من التمكين وحسن التسليح وسهولة التنقلات والاتصالات والتوسع في التدريب العسكري وغير ذلك فإن مثل هذه الظروف مغرية جدًا لتكوين التنظيمات والجماعات وهو في حقيقته قطفٌ للثمرة ومحاولةٌ للانتفاع بها قبل نضجها، وإلا فلو درى الناس لعلموا أن قيام دولةٍ إسلامية مع تمام تمكنها هو أسرع في تحصيل ما نريد حسمه من قضايا الأمة المتشعبة من الاكتفاء بالاستفادة المحدودة من الساحات المحدودة، والتجارب في ذلك كثيرة، وللأسف فما زلنا نلدغ من الجحر الواحد عشرات المرات وليس مرتين فحسب والله المستعان، فما أريد أن أقوله في هذه المسألة هو عدة أمور:
الأمر الأول: نعم كما يقال فإن التباحث هو الطريق الأمثل لحل المشاكل خاصة فيما يقع بيننا نحن المسلمين والمجاهدين، ولكن هذا التباحث والتحاور لن يؤتي أكله إطلاقًا إذا لم تكن القلوب صافية والنوايا نزيهة والتجرد في طلب الحق تامًا محققًا، فحيث كانت النفوس مشوبة بشيء من الهوى ولو تغلَّف بغلاف البحث عن المصلحة فإن هذا لن يوصل إلى المقصود الشرعي المطلوب، وسنبقى إما عاجزين عن حل المشكلة من رأسها لأننا ندور في فلك الأهواء ورغبات النفوس، أو أننا سنصل إلى حل أعوج ناقص هو أقرب ما يكون إلى التلفيق الذي نرضي به أهواءنا ونشبع رغباتنا، ومثل هذا ليس تحصيلًا للحل الشرعي المطلوب الذي يرضي الله، ولهذا فإن الله عز وجل أمرنا عند الاختلاف بالرد إلى كتابه وسنة نبيه