فها هي الدولة العظمى - كما يسميها عبادها - قد أضحت هائمة بين الدول، تتسكع بينها، تستجديها، تطلب معوناتها، تتوسل إليها، رجاء الوقوف بجانبها، وقد أثقلتها الجراح واستنزفتها الحرب وأنهكها توالي المصائب وتتابع الضربات، وأطاش عقلها هول المواجهات {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} .
وكنتم اليوم بحق أحق الناس وأولاهم بما نعت الله به أولئك القوم الذين يكرمهم الله بفضله الواسع ويفيض عليهم من مننه العظيمة، حين يرجع من يرجع على أعقابه منتكسا مرتكسا مرتدا: {فَسَوْفَ يَاتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
وأنتم بلا ريب مع صفاء رايتكم واستقامة طريقكم ووضوح أهدافكم؛ حلقة متصلة بمواكب الإيمان المتوالية وكتائبه المتعاقبة من لدن نبينا صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك وهو الصادق المصدوق:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".
فاستبشروا بهذا الوسام النبوي الذي تقلدتموه بفضل الله أولا، ثم بفضل توكلكم على ربكم وصبركم في معركتكم وثباتكم على عقيدتكم، غير عابئين ولا آبهين بحملات التشويه التي تروم تدمير محيا هذا الجهاد الناصع اللامع، ولا مكترثين بطعونات أصحاب القلوب الخاوية الذين تغلغل حب الدنيا إلى أعماق أعماقها، ولا منتظرين لحوق المترددين المتذبذبين ممن هالهم انتفاش عدوكم وتوعده المستمر.
فحري بكم إخوتي الأحبة أن تستشعروا هذه النعمة الجليلة التي أسبغها الله عليكم وجعلكم من أهلها ومحل تنزّلها، واختار أرضكم لتكون موطنها، وأن تكونوا أحرص الناس على حفظها ورعايتها وحياطتها والذب عنها وقطف ثمرتها؛ بالشكر الدائم والذكر المستمر والعمل الجاد والحكمة البالغة، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} .
وأن تحذروا كل الحذر من أن تسلب منكم، بعد أن بلغتم فيها هذا المبلغ الجليل بالتهاون فيها أو التفرق عليها أو تناسيها مع طول الزمن ومرور الأيام، فما تسلب النعم وتضيع المنن إلا بما تكسب الأيدي، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .
فهي أمانة من أمانات الله التي أمركم أن تؤدوها إلى أهلها، فخذوها بقوة ولا تفرطوا فيها ولا تجعلوا لغيركم كائنا من كان سبيلا لتضييعها أو تحريفها، فعيون المسلمين في أقطار الأرض جميعها كانت ولا زالت ترقبكم وتتهيأ ليوم الفتح الأكبر والتمكين الأعظم.
الذي أقمتم أساسه ووضعتم لبناته الأولى بإعلان قيام دولة العراق الإسلامية، والتي خرجت من رحم الآلام والجراحات والمعاناة والتضحيات لتكون بعون الله مولودا جديدا يستهل في هذا العالم المظلم الظالم، لا بالصياح والنواح والشجب والتنديد، إنما بالتهليل والتكبير وأصداء كلمة الإيمان والتوحيد.