فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 967

ثم أما بعد ....

هي ذي دعوات الضلال تُطِل علينا بوجهها، وبحار الإلحاد تتدفق نحونا بموجها، وصنوف المكائد تطوِّق الحق بنسجها، فتراها تبدل أثوابها، وتغير أسماءها، وتنوع أساليبها، لتروج كفرها، وتنفِّقَ شرها، وتسوغ تلبيسها، وراثة مسلكًا إبليسيًا لم تزل تزِل فيه الأقدام {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [طه120]

وكما قال الإمام ابن القيم رحمه الله: [فهذا أول المكر والكيد ومنه ورث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تحب النفوس مسمياتها فسموا الخمر: أم الأفراح، وسموا أخاها بلقيمة الراحة وسموا الربا بالمعاملة وسمو المكوس بالحقوق السلطانية وسموا أقبح الظلم وأفحشه شرع الديوان وسموا أبلغ الكفر وهو جحد صفات الرب تنزيها وسموا مجالس الفسوق مجالس الطِّيبة] (إغاثة اللهفان 1 113) .

أما اليوم -ونحن في زمن الحضارة والتقدم والتقنيات- فما بقيت موبقة من الموبقات، ولا خبيثة من الخبائث، ولا رذيلة من الرذئل، إلا وانتقي لها من الأسماء أحسنُها، ومن الأوصاف أجملُها، ومن الكلمات أرقها، ومن العبارات أعذبها، ولئن كانت هذه السنة الإبليسية جارية من قبل مجرى العفوية والبدائية، فما هي اليوم كذلك، إذ يقوم عليها أئمة الكفر، وزنادقة الفكر، ومنظمات المكر، وتقدَّم لأجلها الأبحاث والدراسات، وتعقد لها الندوات والمؤتمرات، وقد شمرت وسائل الإعلام عن ساق الجد لتنشر وتبشر، فانهال منها سيلٌ جارفٌ من الاصطلاحات والعبارات والتسميات التي غُلِّف بها الباطل حتى تلقفه الناس أفواجا إثر أفواج، فانجرف معه من انجرف بالانحراف والاستدراج، فزلت الأقدام، وضلت الأفهام، وتجرأ الطغام، ونبغ النفاق، وتبختر أهل المحادة والشقاق.

فلم يبق للإسلام حصنٌ حصينٌ إلا وقصدوه، ولا بابٌ محكمٌ متينٌ إلا وكسروه، ولا حدٌ فاصلٌ من حدوده إلا وطمسوه وأزالوه، ولا حق جلي نقي إلا وحرفوه وميعوه، فغدت عقائده وأصوله مرتعًا لكل سفيه، وصار الخوض في قواعده وقطعياته عنوان الثقافة والفكر والنظر، وغدا التهجم على أعظم مقدساته والنيل منها بكل نقيصة قولية أو فعلية شعارًا لحرية التعبير وحرية الصحافة، يتم كل ذلك بطرق منظمة، وسبل مدروسة محكمة، ووسائل دقيقة متقنة، وبرامج متسلسلة متواصلة، فلا يكاد ينطق كافر غوي في بلاد الغرب بشيء من رجس الشيطان إلا وترددت أصداؤه في بلدان المسلمين، وراح الجهلة والزنادقة والملاحدة يرددون أقاويله، وينصرون أباطيله، وينشرون أكاذيبه، فما هي إلا كلمح الطرف لميلاد فكرة خبيثة أو نظرية ساقطة حتى يُحشَر الناسُ لتأييدها وتوطيدها ورعايتها والدعاية لها زرافات ووحدانا، فتسخر لها الأقلام، وتَستنفر لبثها وتزيينها وسائل الإعلام، ويتهافت السوقة من كل حدب وصوب لمناقشتها وإبراز محاسنها ونفي أي نقيصة عنها، فلا تلبث إلا أيامًا وليالي حتى تغدوَ فكرة رائجة، ونظرة مستحسنة، صار لها هويتها وهواتها، وتصوراتها وأفكارها، وأسسها ومؤسساتها، وأعلامها وإعلامها، وندواتها ومؤتمراتها، وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: [لتتبعن سَنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قيل يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن] متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت