نعم أمة الإسلام ... إنها دعوات هدمت العقائد، وقطعت القطعيات، ودمرت الأخلاق، وأفسدت الآداب، ونسفت الأحكام، ومزقت ملة الإسلام، ومع ذلك كله فما زلنا على قيل وقال، وخلاف وجدال، وتذبذب وحيرة، وتردد واضطراب، ونار الصليب قد نفذت إلى أعماق أعماق ديننا، ودعاتها ودعائمها يناصرونها سرًا وعلانية وهم بين أظهرنا وفي عقر دارنا، وقد جعلوا من أنفسهم الذليلة وقفًا منتصبًا في كل حين، وجندًا مخلصين محضرين، يلبون إذا نودوا، ويطيعون إذا أُمِروا، ويسارعون إذا دُعوا، {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} [المائدة52] فلا تنقضي مكيدة إلا وتبعها شرٌ منها، ولا تموت فكرة إلا وقد أوجدوا بديلها، وهم يمكرون الليل والنهار، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وصدق الله: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة217]
وإن الغر حقًا من يحسن بهؤلاء ظنًا، أو يترقبُ منهم خيرًا، أو يبغي عندهم فلاحًا ونجاحا، وهو يسمع قول ربه: {هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ} [آل عمران119]
فكان مما قذفته لنا أمتا الرجس والغضب اليهود والنصارى عبر وكلائهما العملاء الفكرة القديمة الجديدة، التي يراد بها أن يكون الإسلام ثالث ثلاثة ليصبح أخًا موادًا، وصديقًا حميمًا، ورفيقا مساويا، وخلا وفيًا، لدينين يجاهر أهلهما بسب ربهم صباحا ومساءا، {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة30]
عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تَعَالَى يَشْتِمُنِي ابنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي له أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وما يَنْبَغِي له، أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ ليس يُعِيدُنِي كما بَدَأَنِي
إنها الدعوة التي نَشِط لها طاغية جزيرة العرب عبد الله بن عبد العزيز، بجرأة سافرة، وردة ظاهرة، غير مكترث بإنكار المنكرين، ولا ملتفت إلى صيحات المخلصين، ليعلن على رؤوس الأشهاد بفصاحتة النادرة، وبلاغته الساحرة، عن ميلاد دين جديد، اكتشفه واستحسنه بعد أن فكر وقدر ثم نظر ثم فكر وقدر ألا وهو (دين التقارب بين الأديان) ، فيا ويح جزيرة العرب من تسلط السفهاء، والسنوات الخداعات، وسياسة الصم البكم الذين لا يعقلون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة] ، وهل قامت سياسة دولة آل سعود إلا على الكذب والخداع والخيانة والعمالة.
فبالأمس القريب استجر طغاة آل سعود قوات الصليب بآلافها المؤلفة، وجيوشها المجيشة، وعَددها وعُدتها وعتادها، حتى حلت بعقر دار المسلمين، وأرست فيها قواعدها، ودنست أطهر البقاع، وغدت بواخرها وبوارجها وحاملات طائراتها تصول وتجول في بحارها، وصارت تلك الأرض المباركة التي أشرقت من قِبلها شمس النبوة معقلًا