فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 159

ما أخرجه البخاري ومسلم أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الأحزاب:"لا يُصلِّينّ أحد العصر إلا في بني قريظة" [1] فأدرك بعضهم العصر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نُصلِّي حتى نأتيها، أي ديار بني قريظة. وقال بعضهم: بل نُصلِّي، ولم يُرد منّا ذلك. فذُكِر ذلك للنّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فلم يُعنّف واحدًا منهم. وظاهر هذا الحديث الشّريف أنّ الصّحابة رضوان الله عليهم اختلفوا إلى فريقين في موقفهم من أداء صلاة العصر, فريق أخذ بظاهر اللفظ. وفريق استنبط من النّصّ معنى خصّصه به. وتصويب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للفريقين دليل على مشروعية كل من المذهبين. [2]

هذا كله في حياته - صلى الله عليه وسلم - أمّا بعد أن انتقل إلى جِوار ربّه ولم يعد هناك وحي من الله سبحانه وتعالى ينزل، إلا أنّه - صلى الله عليه وسلم - ترك لأمته الشّيئين الذَين إن تمسّكوا بهما لن يضلّوا من بعده أبدًا, كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وسنّته الشّريفة الجامعة لأعماله وأقواله وتقريراته، يقول عليه أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم في جوامع الكلم"تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعده كتاب الله وسنّتي". [3]

فمن هنالك فتح الاختلاف بابه على مصرعيه نتيجة اختلاف وجهات نظرهم ومدى تفاوت علمهم بالنّصوص وفهمهم لما تهدف إليه، وصار كل واحد من الصّحابة مقتدى به في ناحية من النّواحي. ومع كثرة الوقائع والحوادث كثُر الاختلاف وبكثرته نما الاجتهاد وازدهر.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي، باب مرجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأحزاب، 5/ 112 الحديث رقم (4119) , ومسلم في صحيحه في كتاب الجهاد، باب المبادرة بالغزو,3/ 1391 حديث رقم (1770) .

(2) أدب الاختلاف في الإسلام، مرجع سابق, ص 33 وما بعدها بتصرف.

(3) الحديث أخرجه ابن ماجة في سننه, مقدمة باب 16، والحاكم في"المستدرك"1/ 91، من حديث العرباض بن سارية, هكذا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت