المسألة الثّالثة:
الخلاف في جواز استعمال المشترك في أكثر من معنى عند الأصوليين. [1]
من المعلوم أنّ المقصد من التّشريع العمل بما يدل عليه اللفظ، والمشترك لا يدلّ على أحد معانيه بعينه مالم يكن مصحوبا بقرينة تبيّنه، فإذا جاء غير مبيّن والغرض أنّ المراد به أحد معانيه كان مهملا بالضّرورة، إذ يستحيل العمل بمقتضى ذلك اللفظ لعدم العلم به ... وبناء على ذلك لايصح ورود المشترك في التّشريع إلا إذا اقترن به ما يبيّن المراد، والقرينة إمّا حالية وإمّا مقالية. مثال قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا} [2] فالرّغبة لفظ مشترك بين الميل إلى الشّئ والميل عنه، وإنّما يبيّنه الحرف الذى يتعدّى يه، ففي الأوّل رغبتُ فيه وفي الثّاني رغبتُ عنه، فإذا حُذِف الحرفُ صار مشتركا، وبالرّجوع إلى ماكانت العرب عليه إذ ذاك في هذا الشّأن (القرينة الحالية) يُعلم أنّ ولي البنت كان يطمع في مالها فلا يعطيها إيّاه، رغبة في أن يتزوجها إنْ حسُنت في عينه فيكون له مالها، وإذا لم تحسن في عينه فيرغب عن أن يتزوجها فلا يعطيها مالها لئلا يؤول إلى زوجها، وكِلا الأمرين منهيُّ عنه في الشّريعة، فالقرينة دلّت - إذن - على أنّ المراد الأمرين معًا. [3]
وبالنّسبة إلى دلالة المشترك اللفظي قرّر علماء الأصول - كما قال الدكتور وهبة - أنّ الاشتراك خلاف الأصل، ومعنى ذلك أنّ اللفظ متى تردّد بين
(1) انظر هذا الموضوع في: الآمدي, مصدر سابق بتصرف, 2/ 242، والبحر المحيط, مصدر سابق بتصرف, 2/ 380. وانظر إرشاد الفحول, مصدر سابق بتصرف, 1/ 57,58,59. والمحصول, مصدر سابق, ص 261 - 265.
(2) سورة النّساء, الآية:127.
(3) الخضري, مرجع سابق بتصرف، ص 145 وما بعدها.