فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 186

السياسي المصري، إلا أنها اختطت مسارًا معينًا في تحديد العلاقة بين الظاهرة الدينية والظاهرة السياسية. فقد أقدم جمال عبد الناصر في الداخل على إعادة صياغة الفكر الديني بأسلوب يتلاءم مع طبيعة العصر ومتطلبات التنمية كما حددتها الدولة وفق قناعاتها الفكرية والإيدلوجية فاستخدم الدين مع أدوات أخرى في عمليات التعبئة السياسية وإيجاد شرعية لنظامه. وفي هذا الإطار أضعف النظام الناصري من استقلال العلماء من خلال سياسته تجاه المؤسسات الإسلامية التي انطلقت من عدة محاور تمثلت في القضاء على استقلال العلماء المالي بإصدار قانون إلغاء الوقف [1]

(1) الوقف: جمعه أوقاف وهو في شريعتنا وفقهنا عبارة عن مال يخرجه صاحبه من ملكه، ويجعله على حكم الله تعالى، ويخصص ريعه للإنفاق في وجوه البر الخاصة والمنافع العامة. أو هو طبقًا لتعريفه الاصطلاحي عابرة عن: حبس العين عن أن تكون مملوكة لأحد الناس، وجعلها على حكم ملك الله تعالى، والتصدق بريعها على جهة من جهات الخير في الحال أو في المآل. والوقف بهذا المعنى هو ما استدثته شريعتنا؛ إذ لم يكن معروفًا قبل الإسلام بصيغتهه التي قررها فقهاء شريعتنا. وهو في أصل نشأته وليد فكرة مجردة، عبّر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم في كلمتين اثنتين وردتا في حديثه الذي قال فيه:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"وذكر أن أول الثلاث:"صدقة جارية"، واشتهرت هذه الصدقة الجارية باسم (الحبس) وجمعها أحباس أو حبوس ــ ولا زال يطلق عليها هذا الاسم حتى الآن في بلدان المغرب العربي ــ ثم صارت أكثر شهرة في مصر باسم (الوقف) . وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أول من أنشأ وقفًا وتبعه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين وخاصتهم، متأسين به صلى الله عليه وسلم في كيفية عمل الخير، والإرشاد إليه، والحرص على مصلحة الجماعة، والمشاركة في توفير المنافع العامة. وبمرور الزمن أصبح للوقف نظام متكامل الأركان (نظريًا وعمليًا) ؛ من أهم خصائصه أنه موصول بسبب إلى (يوم الناس) الذي يعيشونه في الحياة الدنيا، وبسبب إلى يوم (الدين) الذي ينتظرهم في الحياة الآخرة؛ وذلك بدوران الوقف في إطار غايات الشرع الإسلامي ومقاصده العامة؛ وبهذه الخاصية اكتسب (الوقف) شخصية متميزة عن كافة صور العمل التطوعي ـ بأسمائه = المتعددة ـ التي عرفتها الحضارات القديمة السابقة على الإسلام، وعن تلك التي تعرفها المجتمعات المعاصرة سيما في البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوربا وأمريكا، التي يغلب عليها النزعة المادية حتى في الأعمال التطوعية. راجع: الأوقاف السياسية في مصر /د. إبراهيم البيومي غانم/دار الشروق/ القاهرة/ص 22 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت