فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 948

فهذه ثلاث علل جعلت الناظم كأصله وكغيره من الأصوليين يقرن بين المكروه والمندوب، كما أن الجامع بين الواجب والمندوب أن كلا منهما مطلوب الفعل وهما أولى بالقراءة، كلٌ منهما مطلوب الفعل. كذلك كلٌ منهما مأمورٌ به حقيقةً، الواجب أمرٌ وهذا باتفاق حقيقة، والندب أو المندوب مأمورٌ به حقيقةً على الأصح كما ذكرناه. إذن كما قُرِنَ بين الواجب والمندوب لكون كلٍ منهما مطلوب الفعل وكلٌ منهما مأمورٌ به حقيقةً كذلك قورن بين المكروه والحرام لهذه العلل الثلاثة، كون كل منهما مطلوب الترك والاجتماع في التسمية وثالث: كون كلٍ منهما منهيًا عنه، والحرام منهيٌ عنه على سبيل الجزم، والمكروه منهيٌ عنه لا على سبيل الجزم.

(الْمَكْرُوهُ) هو الحكم الرابع والحرام هو الحكم الخامس وقلنا: هذا التقسيم الخماسي هو على مذهب الجمهور، وأما على مذهب الحنفية والشافعية فعندهم تقسيمٌ آخر الحنفية قسموا الواجب أو قسموا ما طلب الشارع فعله طلبا جازما قسموه إلى قسمين:

ما كان بدليلٍ قاطع، فهو الفرض.

وما كان بدليلٍ ظني فهو الواجب.

كذلك ما نهى عنه الشارع ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا أيضًا قسموه إلى قسمين:

ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل قطعي سموه حرامًا.

وما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليلٍ ظني سموه مكروهًا كراهةً تحريمية.

وما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمًا سموه مكروهًا كراهةً تنزيهية.

فحينئذٍ المكروه عند الأحناف قسمان، المكروه عند الأحناف قسمان:

مكروهٌ كراهة تحريمية وحده عندهم: {ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني} إن كان النهي بدليلٍ ظني فهو المكروه كراهةً تحريمية، وحكمه أنه أقرب إلى الحرام يعني: يترتب عليه ما يترتب على الحرام من استحقاق العقاب والتحريم، وأنه مطلوب الترك إلا أن الفرق بينهما عندهم أن جاحد الحرام يكفر وأن جاحد المكروه كراهةً تحريمية لا يكفر، لأن الأول يعد أو يعتبر منكرًا لأمرٍ مقطوع به معلوم من الدين بالضرورة، والثاني ظني إذن لا يفيد القطع فحينئذٍ جاحده لا يكفر هذا الفرق بين الحرام وبين الكراهة التحريمية.

أما الكراهة التنزيهية فهي: {ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازمٍ} وهذا يطلق من جهة القطع والظن يعني لا ينظر فيه إلى دليلٍ سواءٌ كان ثابتًا بدليلٍ قطعي أم بدليلٍ ظني فهو مكروهٌ كراهةً تنزيهية، المكروه كراهةً تنزيهية عند الأحناف لا ينظر فيه إلى دليله يعني: لا يشترط فيه هل هو قطعي الثبوت والدلالة أم أنه ظني ثبوت والدلالة وإنما لكونه غير جزمٍ أو النهي فيه غير جازمٍ سموه مكروهًا كراهةً تنزيه، فحينئذٍ نقول: على هذا أن قول الناظم هنا: (وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ) المراد به المكروه عند الجماهير، أما الذي هو خامس أو الذي هو رابع الأحكام التكليفية.

أما المكروه عند الأحناف فهو قسمان: مكروه كراهةً تحريمية ومكروهٌ كراهةً تنزيهية الذي معنا هو القسم الثاني، وأما المكروه كراهةً تحريمية فهو داخلٌ في حد الحرام كما سيأتي، إذن القسم الثاني هو الذي معنا هو الذي نبحث عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت