لكن بعضهم يجيب عن مثل هذه المواضع والإيراد عليها بكون العكس بمعنى المخالف لا يمنع الاجتماع يكون المراد بالعكس هنا المخالف مخالفة بها يتنافيان ولا يجتمعان المخالف مخالفة بها يتنافيان ولا يجتمعان، ما الدليل على هذا؟ يقول: لأن تنافيَ الأقسام وعدم اجتماعهما هو الأصل في التقسيم، الأصل في التقسيم تنافي الأقسام إذا قيل الكلمة إما اسمٌ وإما فعلٌ وإما حرف، الأصل في التقسيم أن الاسم ينافي الفعل وينافي الحرف، والفعل ينافي الاسم وينافي الحرف، وكذلك الحرف، هذا الأصل وإذا قيل المكروه قسمٌ من أقسام الأحكام التكليفية، والندب قسمٌ من أقسام الأحكام التكليفية، ثبت التنافي من جهة كونه ناقص من اسمين وحينئذٍ لا بأس أن يقال: (عَكْسُ) بمعنى المخالف لأن المخافة هنا لا على وجه الاجتماع وإنما مخالفةً يتمكن بها الخلافان من عدم الاجتماع، وهذا معلومٌ من جهة التقسيم:
(وَضَابِطُ الْمَكْرُوهِ عَكْسُ مَا نُدِبْ) نقول: المكروه فيه مسائل:
الأولى: في حده وبيان حقيقته من جهة اللفظ واللغة والاصطلاح.
المكروه اسم مفعول من كَرِهَ، كَرِهَ يكره يُكره بالبناء للمفعول فهو مكروه لأن اسم المفعول من الثلاثي يأتي على زنة مفعولٍ:
وباسم مفعولٍ ثلاثي يطرد ** زنة مفعولٍ كآكل من قصد
قتل فهو مقتول، وقصد فهو مقصود، وكره فهو مكروه، والمراد بالكراهة هنا كره بمعنى أبغض ولم يحب الشيء المكروه، إذا قيل كرهه بمعنى: أبغضه ولم يحبه أبغضه ولم يحبه قال بعضهم: فكل بغيضٍ إلى النفوس فهو مكروهٌ في اللغة بغيض في النفوس فهو مكروهٌ في اللغة ولذلك قال الشاعر:
وإقدامي على المكروه نفسي ** وضربي هامة البطل المشيحي
وإقدامي على المكروه نفسي يعني: على الذي تكرهه نفسي، وإقدامي على المكروه نفسي. يعني: على الذي تكرهه نفسي هذا معنى يطلق المكروه بمعنى المبغوض، حينئذٍ إذا قيل كره بمعنى أبغض ولم يحب، فيصير المكروه بمعنى المبغوض وغير المحبوب أخذا من الكراهة فحينئذٍ نقول: المكروه ضد المحبوب إذا فسر بالبغض وعدم المحبة فالمكروه فحينئذٍ يكون ضد المحبوب أخذا من الكراهة وبعضهم يقول: إنه مأخوذٌ من الكريهة وهي الشدة في الحرب، يقال يوم الحرب يومٌ كريهة، يعني: يومٌ شديد النزال. هذا معناه في اللغة.
أما في الاصطلاح: فعرفه بعضهم بأنه: {ما تركه خيرٌ من فعله} . هكذا عرفه ابن قدامة في (( الروضة ) ).