الثالث: نقول: إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله وامتثال أوامره من غير سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عما عنى بأوامره هل نقل عن الصحابة أن لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعة» . قالوا: الأمر هنا أمر إيجاب وندب هل نقل؟ لم ينقل قوله تعالى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [البقرة:43] لم يستفسروا عما علا الرب جل وعلا عن أمره على الأمر يقتضي الوجوب أو الندب إذن عدم استفسارهم لحملهم على أوامر الله وأوامر رسوله - صلى الله عليه وسلم: على وجوب امتثال دون السؤال هل تقتضي الوجوب أو الندب نقول هذا يدل على إجماعهم على ذلك وهو أن صيغة افعل تدل على الوجوب ولهم مقاعد كثيرة بمجموعها تفيد تواترًا تَواترًا معنويًا أن الصحابة يحملون صيغة افعل المجردة عن القرائن على الوجوب وذكر ابن قدامة في (( الروضة ) )بعض الأمثلة قال: كما في أخذهم الجزية من المجوس احتار عمرو رضي الله تعالى عنه في الجزية هل يأخذها من المجوس أم لا؟ فشهد عنده عبد الرحمن بن عوف أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سنوا» . هذا أمر «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» فحكم عمرو بأخذ الجزية من الصحابة وجوبًا والصحابة حاضرون ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه خالف وهذا يدل على الإجماع لأنه كما سيأتي معنا إذا نطق صحابي واحد بأمرٍ لا يخالف كتابًا ولا سنة بل يوافق كما هنا فسكت البقية فصار إجماعًا سكوتيًا فكان إجماعًا كذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث السابق: «فليغسله سبعا» . أجمعوا على وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا كذلك في استدلال أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [البقرة: 4] على قتال المرتدين والصحابة بمحضٍر ولم ينكر واحدٌ منهم وإنما حصل نزاع في أمرٍ خارج عن وجوب الزكاة أيضًا استدل بعضهم بحديث بريرة أنها قالت: أتأمرني يا رسول الله؟ قال لها: «لا إنما أنا شافعٌ» . إذن لو أمر لوجب الامتثال فهذه الوقائع بمجموعها تفيد تواترًا معنويًا أن صيغة افعل تدل على الوجوب هذا إجماع الصحابة.
كذلك رابعًا إجماع أهل اللغة واللسان: على أنهم عقلوا من إطلاق الأمر الوجوب، لأمرين كما سبق أن السيد لو أمر عبده بأمر اسقني ماءً اشتري متاعًا فلم يمتثل فعاقبه لما ليم السيد على عقابه لعبده فلو رآه أهل اللغة وسألوه فبين لهم السبب لما أنكروا عليه أيضًا مخالفة الأمر معصية تسمى معصية.
أمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني
{ (( يَعْصُونَ اللَّهَ مَا (( (( (( (( (( } [التحريم:6] ، { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [طه:93] إذن المخالفة تسمى معصية والمعصية تقتضي العقوبة فحينئذٍ دل على أن الأمر يقتضي الوجوب هذه أربعة أدلة تدل على أن صيغة افعل عند الإطلاق عن القرينة الدالة على الوجوب وعن القرينة الدالة على الندب تحمل على الوجوب وهناك قول بأنها للندب لأنه المتيقن وهناك قول بأنها للإباحة وهناك قول بأنها لمطلق الطلب يعني: شامل بين الندب والإباحة وهناك من فصل بأن أمر الرب جل وعلا للوجوب وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - للندب هذه كلها أقوال لا أدلة صحيحة عليها.