(ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ ** فِي الفِعْلِ) وهذا ما قررناه سابقًا أن العموم وصلٌ حقيقةً للألفاظ والمعاني مجاز ولا يوصف اللفظ أو الفعل بالعموم ولو وصف فهو مجاز، (ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ) أي: أن العموم أبطل العلماء دعواه في العلل يعني: لا يوصف الفعل بكونه عام وإنما يقال الفعل من قبيل المطلق إذن فيه استغراق لكن هذا الاستغراق بدليٌ لا شمولي سها النبي - صلى الله عليه وسلم - فسجد سها فسجد هل يشمل كل سهوٍ أو لا؟ الأصل إذا وقفنا مع اللفظ دون قرينة في الفعل المجرد هذا الكلام دون قرينة نقول: لا سها فسجد الصحابي أخبر عن حالةٍ واحدة رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - سها فسجد هل يعم كل سهوٍ؟ الجواب لا والعموم يأخذ من قرينة خارجة عن اللفظ لأن الفعل يحتمل احتمالات متعددة والذي أخبر عنه الصحابي هو حالةٌ واحدة والشيء واحد كمدلول ذا أو كمدلول لفظ زيد قلنا مدلول زيد زا لا يشاركه هذه الذات غيرها من الذوات وهذا معنى الجزئي كذلك الفعل الذي وقع الآن نقول: لا يشاركه غيره سافر فقصر الصحابي رآه سافر سفرًا واحدا سفرًا طويلًا مثلًا هل نقول: هذا السفر يشمل الطويل، والقصير، وسفر، النزهة، وسفر النسك، وإلى آخره والمعصية والطاعة، نقول لا يصح هذه كلها ما يشمل لماذا لأنه أخبر عن حالةٍ واحدة وغيرها مسكوتٌ عنه فإذا جاء عمومٌ فيكون من خارج اللام ذات اللفظ إذن العموم نقول: لا يستفاد من الفعل وإنما الفعل يدل على الإطلاق (ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ ** فِي الفِعْلِ) لماذا؟ أنه إنما فعل حالةً واحدةً من تلك الحالات المحتملة (بَلْ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ) (وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ) يعني: مجرى الفعل له شبهٌ بالفعل قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة للجار هل يعم كل جار قالوا: لا. لماذا؟ لاحتمال الخصوصية حكم بشاهد واليمين هل يحمل كل قضية على هذه قضية قالوا: لا هذه التي تسمى عند الفقهاء بقضايا الأعيان حكمها يعتبر خاصًا بمن وقعت له الواقعة ولا يعمم الحكم إلا بقرينة فلا يكون العموم مأخوذًا من نفس القضية إذن ما يجري مجرى الفعل من الأحوال الخاصة وبعضهم يقول: من الأحكام والأخذية التي حكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحوال معينة أو قضى على أحوالٍ معينة وهذا يعتبر فعلًا منه هو من جهة تكلم ومن جهةٍ فعل ولكن لوحظ فيه معنى الفعل ولذلك قال: (وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ) إذن هو ليس كالفعل لأن فيه قول بخلاف السفر سفر فعل وليس فيه قول أليس كذلك؟ أما قضى بالشفعة تكلم أو لا إذن فيه نوع أو قول، وفيه نوع فعل فغلب أجانب الفعل على القول فنفي العموم
ثُمَّ العُمُومُ أُبْطِلَتْ دَعْواهُ ** فِي الفِعْلِ بَلْ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ
يعني: ما جرى مجرى الفعل إذن هذا الأصل فيه أنه يذكره بعد حد العام ثم ذكر بعض ذلك ألفاظ العموم وباب العموم هذا بابٌ طويل عند أصوليين يأتيكم في المطول إن شاء الله تعالى.
وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.