استدل بإقرار الله عز وجل، لو كان الله عز وجل وهو عالم السر وأخفى لو كان هذا الفعل حرام وهو مطلعٌ عليه لأنزل آيةً تبين هذا الحكم، إذن إذا أصاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واجتهد نقول: هذا موافقٌ للوحي ولا يخالف الوحي وكونه وحيًا هذا مأخوذٌ بإقرار الله عز وجل وإن كان مخالفًا للصواب، لابد أن يأتي ما يصوبه إذن قوله: المكتسب عرفنا أنه أخرج المعلوم من الدين بالضرورة، وأخرج علم الله وأخرج علم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخرج علم الملائكة وأخرج علم المقلِّد، لأن المقلد هذا الذي يحفظ الأحكام الشرعية دون نظرٍ واستنباط هذا لا يسمى فقيهًا قد يحفظ الأحكام الشرعية ويعرف الدليل لكن ما يعرف ربط الأحكام بأدلتها هذا يسمى لا يسمى فقيهًا وإن حفظ ما حفظ ولذلك ذكر ابن عبد السلام فيمن يحفظ الأحكام الشرعية وليس من الفقهاء قال: هم نقلة فقهٍ لا فقهاء، كمن يحفظ المتون دون وعيٍ واستيعاب لها كل ما ذُكر لا إشكال فيه إلا مسألة واحدة، وهي أن المكتسب قد أخرج العلم الضروري، نقول: هذا ما ليس بصحيح بل الصواب إسقاط هذا القيد لماذا؟ لأن العلم فسرناه بالإدراك الشامل للأحكام القطعية والأحكام الظنية فالمكتسب حينئذٍ خاصٌ بالأحكام الظنية فنقع في التعارض والتناقض ولما كان المعلوم من الدين بالضرورة هذا داخلًا في مسمى الفقه نقول: لابد من إسقاط هذا القيد العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية فيكون خارجًا لما ذكر ما خرج بقوله: المكتسب وهو علم اله عز وجل وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في ما لم يجتهد فيه وعلم ملائكته وعلم المقلد فهؤلاء الأربعة لا يوصف بكون علمهم بالأحكام الشرعية أنها مأخوذةٌ من الأدلة التفصيلية.
أما كون المعلوم من الدين. هذا يسمى فقهًا لأنهم قيدوا الفقه بما ذُكر سابقًا أنه من باب الظنون فهو مبنيٌ على بدعة المتكلمين، لأن من شأنهم أن الدليل قطعي محصورٌ في العقل فحسب وأما الدليل السمعي فلا يفيد إلا الظن أيضًا لو أخرجنا المعلوم من الدين بالضرورة لخرج سائر الفقه، لأن أكثر أحكام الفقه متفقٌ عليها ما أجمع عليه الفقهاء والسلف الصالح والصحابة والتابعون ما أجمع عليه من المسائل الفقهية أكثر من المسائل المختلف فيها ولذلك المسائل المختلف فيها أكثرها مبنيةٌ على المتفق عليها، أيضًا لو قلنا بهذا: أن المعلوم من الدين لا يسمى المعلوم من الدين بالضرورة العلم به لا يسمى فقهًا نقول: هل العبرة بأصل الإسلام أو ببعده؟ يعني: إذا كان الوجوب الصلاة ووجوب الصيام وتحريم الزنا هذا الأمر صار معلومًا من الدين بالضرورة هل هو باعتبار أول الإسلام أو بعد اشتهاره، إن كان باعتبار أول الإسلام فليس كذلك لأنه لم يصر معلومًا من الدين بالضرورة إلا بعد اشتهاره فلو قيدنا الفقيه أنه لا يسمى فقيهًا إلا إذا علم المكتسب دون المعلوم من الدين بالضرورة لأخرجنا أكثر فقه الصحابة، ثم إذا جعلنا العبرة بما اشتهر نقول: خرج أكثر سائر الفقه وعلى كلٍ إخراج الأحكام الشرعية المقطوع بها من حد الفقه ليس بصواب، لأننا لو نظرنا إما أن ننظر إلى الإسلام في أول أمره أو بعد اشتهاره.