(السَّابِقِ) أي: الأول المتقدم في الورود إلى المكلفين خرج بثبوت حكم بالخطاب السابق ما لو جاء خطابٌ ورفع حكم البراءة الأصلية فهذا لا يسمى نسخا لماذا؟ لأن الحكم السابق الذي هو البراءة الأصلية من الإباحة ونحوها هذا ثابت بما يسمى بالبراءة الأصلية وهو عدم التكليف وتسمى الإباحة العقلية فحينئذٍ الخطاب اللاحق إذا رفع حكم البراءة الأصلية لا يسمى نسخا وإلا صارت الشريعة كلها ناسخة إذن خرج به الثابت بالبراءة الأصلية وهو عدم التكليف بشيء (رَفْعًا عَلَى وَجْهٍ أَتَى لَولاهُ) يعني: لولا هذا الخطاب اللاحق الثاني (لَكَانَ ذَاكَ) أي: الخطاب السابق الأول (ثَابِتًا كَمَا هُو) خرج به ما لو كان الخطاب الأول مغيى بغاية أو مرتب على معنى فإذا جاء الخطاب الآخر الثاني رفع الغاية أو بين زوال ذلك المعنى الذي رتب عليه الحكم في الخطاب السابق لا يسمى نسخا { (( (( (( (( (( (الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة:9] محرم أو لا؟ محرم، متى؟ بعد الأذان الثاني إلى أن يسلم الإمام طيب قوله تعالى: { (( (( (( (قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ (( (( } [الجمعة:10] ومنه البيع هل يعتبر هذا الخطاب رافعا للحكم الثابت أو رافعا لغايته؟ لغايته لأن قوله: { (( (( (( (( (الْبَيْعَ} . هذا مقيد بماذا؟ بانقضاء الجمعة إذا انقضت الجمعة حينئذٍ نقول: ما بعد انقضاء الجمعة حكمه على الأصل وقوله تعالى: { (( (( (( (( (( (( (مِنْ فَضْلِ (( (( } الذي منه البيع حينئذٍ نقول: هذا ليس بناسخ، وكذلك قوله: { (( (( (( (( (عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة:96] هذا مقيد بماذا؟ بمعنى إذا زال هذا المعنى فجاء دليل يدل على الأصل { (( (( (( (حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة:2] لا نقول: { (( (( (( (حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} هذا يعتبر ناسخًا لقوله: { (( (دُمْتُمْ حُرُمًا} لماذا؟ لأن الخطاب الأول قد رتب الحكم فيه على معنى دل الخطاب الثاني على زوال ذلك المعنى فحينئذٍ هذا ليس بنسخ أو إذا دل على أن الخطاب الأول قد غُيَّ بغاية حينئذٍ إذا تضمن الخطاب الثاني زوال وارتفاع لا يعتبر نسخًا.
إِذَا تَرَاخَى عَنْهُ فِي الزَّمَانِ ** مَا بَعْدَهُ مِنَ الخِطَابِ الثَّانِي
هذا قيد (إِذَا تَرَاخَى) يعني: يشترط في الخطاب الثاني أن يكون متراخيا عن الخطاب الأول (إِذَا تَرَاخَى) الضمير هنا يعود على الخطاب الثاني (عَنْهُ) أي: عن السابق المتقدم في الزمان خرج به البيان والمخصصات المتصلة والمنفصلة فالتخصيص ليس بنسخ، والبيان المجمل ليس بنسخ لأنه قد يكون مقترنا بالمخصص اللفظ العام أو المجمل.
إِذَا تَرَاخَى عَنْهُ فِي الزَّمَانِ ** مَا بَعْدَهُ
يعني: الذي (بَعْدَهُ) أي: بعد الخطاب الأول السابق من الخطاب اللاحق الثاني يعني: يشترط في الخطاب الثاني أن يكون متراخيا عن الخطاب الأول فلو كان مقارنا له فحينئذٍ لا يكون نسخا والحد يحتاج إلى مزيد شرح وأراكم تعبتم يعني صراحةً.
ونقف على هذا وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد.