(النَّسْخُ نَقْلٌ أَوْ إِزَالَةٌ كَمَا ** حَكَوهُ) يعني: مثل ما حكوه أي حكوا معنى النسخ في المعنيين السابقين (عَنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فِيهِمَا) أي: في المعنيين المذكورين النقل والإزالة، زاد بعضهم التغيير، قال: يرد النسخ بمعنى التغيير فيقال نسخت الريح آثار الديار، أي: غيرتها، ولكن غيرت هل بمعنى أنها أزالتها من هيئةٍ أو من صفةٍ أو من حالٍ إلى هيئةٍ؟ أخرى حينئذٍ يكون معنى التغيير هنا في هذا المثال هو معنى الإزالة، فلا يخرج عن معنى الإزالة والتغيير.
وأما في الاصطلاح فقال: (وَحَدُّهُ) {الحد هو الجامع المانع} . تعريف المعرف بمعنى المعرف، وغالب ما يذكر في الحدود هنا في هذا المقام وفي غيره إنما هو رسوم، يعني: من باب تقريب المحدود فقط المعرف، وإلا الحد الذي هو الجامع المانع بمعنى الكلمة هذا لا يكاد أن يوجد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: {ما من حدٍ في الدنيا إلا وعليه اعتراض} ، بيان إما بعض الأفراد ليست بداخلة في الحد، وإما بعض الأفراد داخلة وقد لا يحصل الاحتراز عنها ببعض ما ذكر في الحد، فلا بد من الاعتراض. لو قيل بكذا لكان أولى، لو قال هذا لخرج ماذا؟ إلى آخره. فلا يسلم حدٌ في الدنيا من الاعتراض، ولكن المراد التقريب فقط.
نعرف النسخ، لا بد أن نحكم بأن الشريعة فيها نسخ، فحينئذٍ ما هو النسخ؟ لا بد من ألفاظ تقرب معنى النسخ، وهذه الألفاظ قد تكون آتية بمعنى النسخ من كل وجه، وإما أن تكون فيها نوع قرب للمعنى الذي أريد بيانه، حينئذٍ لا إشكال.
وَحَدُّهُ
أي: اصطلاحا أو شرعا.
.. رَفْعُ الخِطَابِ اللاحِقِ ** ثُبُوتَ حُكْمٍ بِالخِطَابِ السَّابِقِ
رَفْعًا عَلَى وَجْهٍ أَتَى لَولاهُ ** لَكَانَ ذَاكَ ثَابِتًا كَمَا هُو
إِذَا تَرَاخَى عَنْهُ فِي الزَّمَانِ ** مَا بَعْدَهُ مِنَ الخِطَابِ الثَّانِي
هذه ثلاثة أبيات في حد واحد، وهذا قد صعب عليه؛ وإلا الأصل أن يؤتى بالحد في بيتٍ واحد، يأتي بالحد في بيتٍ واحدٍ.
هنا قال: (رَفْعُ الخِطَابِ) إذا قيل الخطاب الدال في حد النسخ، أو قيل (رَفْعُ الخِطَابِ) فهذا تعريفٌ للناسخ لا للنسخ، لأن حقيقة النسخ هي الرفع، {رفع حكمٍ شرعي بدليلٍ شرعي} .
رفع حكم شرعي -حكم شرعي-: يعني ثبت بدليلٍ شرعي.
بدليلٍ شرعيٍ: متراخٍ عنه.
هذا أوجز ما يقال في حد النسخ، وهو أولى وبه حده في (( مختصر التحرير ) )أنه ماذا؟ {رفع حكمٍ شرعي بدليلٍ شرعيٍ متراخٍ} ، وهذا فيه إيجاز وفيه اختصار، كل ما ذكره الناظم أو غيره في هذا الحد الطويل فهو داخلٌ في هذا الحد الموجز.