(وَحَدُّهُ رَفْعُ الخِطَابِ) ، (وَحَدُّهُ) أي: اصطلاحًا (رَفْعُ الخِطَابِ) عبر بالخطاب هنا، يشمل ماذا؟ اللفظ، والمفهوم، والفحوى، وكل دليل، وإن كان تم خلاف. هل يحصل النسخ بالمفهوم سواءً كان مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة؟ وهل يحصل النسخ بالفعل أو لا؟ الصواب أن كل دليلٍ شرعي وهو كائنٌ من الوحيين من كتابٍ أو سنة، فحينئذٍ يصح النسخ به مطلقًا -كما سيأتي بيانه-. لا يشترط في الدليل الناسخ أن يكون مساويا للدليل الثابت للحكم المنسوخ، أن يكون مساويا له في القوة أو في الرتبة، بل متى ما ثبت أنه دليلٌ صحيحٌ تثبت به الأحكام الشرعية فحينئذٍ يصح أن يكون ناسخا، ولذلك قال: (رَفْعُ الخِطَابِ) ليعم كل خطابٍ يصح النسخ به، ومعلومٌ أن الحكم الشرعي الثابت بخطاب شرعي إما أن يكون من جهة المنطوق، وإما أن يكون من جهة المفهوم، وكلاهما دليلان شرعيان تثبت بهما الأحكام الشرعية.
وأما الفعل -كذلك- فهو داخلٌ فيه، ولذلك التعبير برفع حكمٍ شرعي هذا أولى؛ لأنه يشمل ماذا؟ يشمل الفعل، ولذلك جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مما مست النار ثم صلى، وقد أكل ما مسته النار، فدل على أن الفعل الثاني ناسخٌ للأول. «توضئوا مما مست النار» ، هذا منسوخ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أكل مما مست النار، ثم قام فصلى. هذا ثبت، النسخ بماذا ثبت؟ بفعل.
وكذلك كان الأصل أنه يتوضأ، يجب الوضوء لكل صلاة، وقد صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح خمسة أو أربع صلوات بوضوءٍ واحد، فدل بالفعل على أن الفعل يكون ناسخا.
فلو قيل حده رفع الخطاب الفعل ليس بخطاب، فكيف حينئذٍ يشمل الفعل؟ نقول: رفع حكمٍ شرعي هذا أولى، ليعم فعل النبي صل الله عليه وآله وسلم.
(رَفْعُ الخِطَابِ اللاحِقِ) أي: الثاني المتأخر (رَفْعُ الخِطَابِ اللاحِقِ) والمراد برفع الخطاب رفع تعلقه بفعل المكلف، يعني الحكم الشرعي يكون في الأصل متعلقه ماذا؟ فعل المكلف كما سبق في بيان حقيقة الحكم، الخطاب أو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف، إذن الناسخ أو المنسوخ يكون في الأصل متعلقه ماذا؟ فعل المكلف فإذا قيل (رَفْعُ الخِطَابِ اللاحِقِ) رفع ماذا؟ رفع تعلق الخطاب بفعل المكلف، فحينئذٍ لا يكون متعلقه فعل المكلف، وإذا لم يكن متعلقه فعل المكلف فحينئذٍ بطل كونه حكمًا شرعيًا.