وينسخ الكتاب بسنة لكنه أيُّ السنة؟ المتواترة وكذلك السنة المتواترة لا ينسخها إلا السنة المتواترة ماذا بقي؟ خبر الآحاد فلا ينسخ القرآن آحادٌ ولا ينسخ السنة المتواترة آحادٌ وهذا جمهور الأصوليين على هذا على أنه لا ينسخ المتواتر سواء كان قرآنًا أو سنة لا ينسخه خبر الواحد وهذا مبناه على أن خبر الواحد أدنى قوة من المتواتر فالمتواتر يفيد العلم اليقيني، والآحاد يفيد الظن والظن أدنى من اليقين فلا يكون رافعًا لما ثبت باليقين هذه حجتهم وإذا قلنا الأصل في خبر الواحد أنه يفيد العلم فحينئذٍ يرد الاعتراض بأن خبر الواحد أدنى رتبةً ومرتبةً من التواتر الجواب لا بل نقول: العلة السابقة التي ذكرت في جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة هي عينها وذاتها ونفسها وجوهرها موجودة في نسخ الكتاب أو السنة المتواترة بأحاديث الآحاد لأن الناسخ في الحقيقة هو الرب جل وعلا، وكلٌ من الناسخ والمنسوخ وحي النبي - صلى الله عليه وسلم - تقسيم السنة أنها متواترة وآحاد باعتبار الطريقة الوصول إلى من بعد الصحابة وأما الصحابة المشافهون فهذا ليس عندهم تواتر وآحاد فلذلك كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيصح النسخ به ولا نسخ بعده فحينئذٍ التفريق هذا هل له وجه أم لا؟ ليس له وجه لأن التواتر والآحاد هاتان القسمتان وإن سلمت يعني: في ما بعد الصحابة إلا أنها في زمن التشريع في زمن النسخ لا وجود لها فحينئذٍ نقول: { (( (( (يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (( (} [النجم:3،4] هذا يشمل كل ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون ناسخًا ورافعًا فتلك العلة نفسها نسحبها إلى هذا الموطن فنقول: لا يشترط في الناسخ أن يكون أعلى رتبةً أو في مرتبة المنسوخ بل كل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيصح أن يكون ناسخًا الشرط فيه أن يكون ثابتًا بطريق صحيح عند أهله فإذا ثبت كذلك فصح أن يكون ناسخًا سواءً كان لكتاب أو سنة متواترة لا إشكال في هذا.
(وَذُوْ تَوَاتُرٍ بِمِثْلِهِ) مذهب الجمهور أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن، وذهب الشافعي لأن السنة لا ينسخها إلى سنة مثلها لكن هذا يرد عليه ماذا إذا قيل السنة لا ينسخها إلى سنة مثلها نقول: يكاد أن يكون اتفاقا استقبال بيت المقدس هذا ثابت بالسنة ولم يثبت بالقرآن وجاء النسخ بقوله: { (( (( (( وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144] . هذا ثابتٌ بماذا؟ بالقرآن حينئذ ما أدري ما وجه نفي شافعي وهو إمام جليل في هذا المقام نفي كون الكتاب يكون ناسخًا للسنة مع وجوده في أظهر المسائل إذن مذهب الجمهور إلى أنه يجوز نسخ السنة بالقرآن يعني: مطلقا المراد به المتواترة هنا، وذهب الشافعي إلى أن السنة نسخ السنة بالقرآن، مطلقًا سواء كانت السنة متواترة أم أحادية، وذهب الشافعي إلى أن السنة لا ينسخها إلا سنة مثلها ويرد عليه ما ذكرناه في استقبال القبلة وكذلك صوم عاشوراء ثابت بالسنة فنسخ وجوب صومه بوجوب صوم رمضان.
(وَذُوْ تَوَاتُرٍ بِمِثْلِهِ) يعني: بمتواترٍ مثله، أما نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة نصوا عليه قالوا: لا مثال له.