فهرس الكتاب
والمقصود أن تعدد المناهل يصنع منك أيها الأخ المبارك رجلًا عالمًا فذًا ..أما كون الإنسان لا يقرأ إلا لشخص أو شخصين ولا ينهل إلا من عالم أو عالمين ويغرق نفسه في دائرة ضيقة فهذا لا يمكن له أن يتوسع في القول ولا أن يستطيع أن يجاري علماء عصره ولا أن يُصدّر حتى ينفع الناس في كثير من أحوالهم وقضاياهم ، فتعدد المناهل كان عليه السلف في قضية التعلم والعاقل لا يجعل بينه وبين المعرفة حجاب إنما يأخذ العلم الحق من أي أحد لكنه في قضايا الاعتقاد هذه مسألة مهمة لا تؤخذ إلا ممن عُرف عنه سلامة المُعتقد ..هذا الأمر الثالث ..
الأمر الرابع ..التقليد شيء منفر منه فأبوا حنيفة رحمة الله عُرض عليه القضاء فأبا في حين أن أبا يوسف عُرض عليه القضاء فقبل ولم يقل إن أبا حنيفة لم يقبل فلا أقبله .. ولهذا المصالح تتفاوت والرجال أنفسهم يتفاوتون ..فقد يأتي إنسان مُعين حريٌ به أن يكون مرافقًا للسلطان مثلًا ..يستطيع أن يصنع شيء للناس يُحسن التعامل إذا قُرب من أمير ومن سلطان أو من ذوي جاه في حين أن غيرة لا يحسن ..فنقول للأخر أبتعد ونقول للأول أقترب والعبرة بالمصلحة العامة ، وأبو حنيفة ربما رأى نفسه ليس ممن يحسن نفع الناس من خلال مجارات السلطان ..في حين أن أبا يوسف يستطيع أن يفعل ذلك ..فكان الرشيد يُجله ولا نقدح في أبي يوسف ونُجل أبي حنيفة على هذه الطريقة ..لكن نُجل أبا حنيفة ونُجل أبا يوسف ..ويُعتقد فيهما حسن الظن ونعلم أن كل منهما نظر في مقوماته وقدراته فستعملها في الحق فوصل إلى مقصودة.