فهرس الكتاب
معنى قول الله: { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا} وهذا غير صحيح ؛لأن الآية التي بين أيدينا ناطقة أنهم لم يتغير فيهم شيء بدليل أن الله قال أنهم لما عرضوا ذلك السؤال {كَمْ لَبِثْتُمْ} كان الجواب منهم وهم قوم زادهم الله هدى كما أنبأ من قبل {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ومحال أن يقول احد منهم {لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} وهم يرون أنفسهم قد طالت أظفارهم أو أشعارهم أو احدودب ظهرهم وخطهم الشيب فلما انتفى كل ذلك كان بدهيًا أن يُقبل أن يُقال { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ} ثميبين الله جل وعلا لنا أن الإنسان ينبغي أن يكون ابن يومه وألا يتكلف أحداثًا لم تقع وألا يخف ويخشى الغيب أكثر مما هو مطلوب {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} دعونا من هذا السؤال الذي لا طائل من ورائه ولنحيا قضيتنا وكذلك ينبغي على كل امرئٍ وعلى أهل الساسة والقادة وأهل الفكر والرأي في الأمة أن يعيشوا واقع الأمة المعاصر وأن يحاولوا أن يجدوا لها من واقعها ما تلتئم بها جراحها ، أما الإكثار في غيبيات لم تأت بعد ولم يأذن الله بوقوعها بعد أو الإغراق في قراءة التاريخ السابق والأيام الماضية دون أن نصنع شيئًا لحاضرنا ليس من العقل بمكان
مضى السلف الأبرار يعبق ذكرهم *** فسيروا كما ساروا على الدرب واصنعوا
ولا خير في الماضي إذا لم يكن له *** من الحاضر الزاهي بناء مرفّع