ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى ( ما ) نافية قطعًا ، و ( أنزلنا ) أخبر الله أن القرآن منزل من عنده ـ وهذا مرّ معنا وفصّلنا القول فيه وأنواع التنزيل ـ ونذكِّر بأن الله لايقول أن شيئًا أُنزل من عنده إلاّ القرآن ، وإلاّ يُبهم أو يسنده إلى غيره .. { فأنزلنا على اللذين ظلموا رجزًا من السماء } ولم ينسبه إلى نفسه ، { وأنزلنا من السماء ماء طهورًا } ولم يقل من عنده ، وأما الذي ينسبه الله إلى ذاته العليّة لايكون إلاّ في القرآن { تنزيل العزيز الرحيم } .. إلى غيرها من الآيات الشهيرة ، نعود فنقول: الله يقول لنبيه: { ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى } أولًا: مالشقاء ؟ الشقاء العناء والتعب ، وإنّما مقصود الآية أن هذا القرآن أنزلناه رحمةً بك وبه ترحم الناس ، وليس المقصود من إنزاله أن يصيبك شقاء وعناء وتعب من كثرت محاورتك لقومك ، وكثرت تأسُفك على حالهم فإنّك لست مكلَّفًا بأكثر من أن تدعوهم إلى الدين , وهذا المعنى يؤيده القرآن كله { لست عليهم بمسيطر } { فلعلَّك باخع نفسك على آثارهم } { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } فكل القرآن يؤيد هذا المعنى في أن الله ماأنزل هذا القرآن على نبيه حتى يصيبه من الكبد والعناء والشقاء بسبب جحود قومه له ...
{ إلاّ } استثناء منقطع { تذكرة لمن يخشى } فالقرآن تذكرة ، لكن هذه التذكرة لايفرح بها ولاينالها كل أحدٍ ، وإنّما ينالها أهل من ؟ أهل الخشية ، ومن يخشى يدخل فيها جميع من خشي الله وفي مقدمتهم ، بل في ذروتهم نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..
{ تنزيلًا } أي هذا القرآن ، مفعول به مطلق لفعل محذوف أي: نزلناه تنزيلًا
{ تنزيلًا ممن خلق الأرض والسموات العلى } الله ـ جلّ جلاله ـ ، وقدّم الأرض هنا على السموات لأنها ألصق بحياة الناس ، وهي أولى الآيات المحسوسة بالنسبة لهم ..
وخلق السموات والأرض من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله قررته أكثر من آية في كلام الله ..