فهرس الكتاب
مادام نزهنا العقلاء أن يقولوه , فكيف نتهم به رجل من أكابر علماء الصحابة , إذًا لا بد من تخريج لقول ابن عباس , يخرج قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: وهذا هو الصواب إن شاء الله , أنه قصد بقوله ( إن شاء الله ولو طال الفصل ) لا لتبرأ الذمة بحنثك من اليمين , وإنما لتشعر نفسك بأنك تداركت الأمر , فلا تصبح كاذبًا أو معتمدًا في أمورك على غير الله , فإذا نسيت وتذكرت بعد حين , تقول إن شاء الله من باب تدارك الأمر , من باب الاستغفار , من باب أخبار أنك نسيت في الأول , من الاعتماد على الرب جل وعلا , من باب الاعتقاد أن الأمور كلها لن تنفذ إلا بمشيئة الله , لكنك لا تقصد بهذا أن ترفع عن نفسك أو تصوغ لنفسك أن تحنث في يمينك , فتجعل من إن شاء الله التي بعد حين هي نفسها القريبة العهد في نفس الخطاب , وهذا أرجو الله أن يكون ظاهرًا .
ومما يستظرف في هذا الشأن: أن أبا حنيفة النعمان لم يكن يقول بقول ابن عباس , هذا الفقيه المعروف , فكان أبو جعفر المنصور لأنه عباسي , فيأتي الواشون إليه فيقولون إن أبا حنيفة لا يقول بقول ابن عباس على اعتبار أن ابن عباس جد لجعفر , فأقدمه بين يديه , قال له كيف لا تقول بقول بن عباس , فأراد أن يخرج منها , هذا تقارع بالشيء الذي يمسه , وأبو جعفر أمير مؤمنين , تقارعه بالكرسي , شيء يحفظ عليه كرسيه , قال له يا أمير المؤمنين: إن القول بقول ابن عباس يضر ملكك , فأن الناس يعطونك أيمان وبيعة فإذا خرجوا من عندك قالوا إن شاء الله , ثم يحنثون في يمينهم فيتركون البيعة , ولم يستطع أبو جعفر أن يرد جوابًا على أبي حنيفة , وإنما أستحسن قوله وقبله منه , والمقصود من هذا إن هذه مضمار كما أقول مرارًا تجري فيه أقدام العلماء .