فهرس الكتاب
وإنها من أعظم الدلائل على سعة رحمته صلى الله عليه وسلم و على سعة أفقه و على النظرة البعدية للداعية ، فمن تصدر للدعوة إلى دين الله جل و علا ينبغي ألا يكون حدود نظره أنفه ، و إنما ينظر إلى مستقبل الأيام ، و إلى من يدعوه ، رب صغير مررت عليه بجوار المسجد لا يصلي ، لو أغلظت له القول ، لما صلى أبدا و لكن لو ألنت له القول ، ولو لم يصلي في تلك اللحظة ، التي ذهبت فيها ، لو قابلته بعد سنين لتذكر لينك و رقتك معه ، و قبل رأسك ربما و أخبر ك أن الله جل و علا من عليه بالهداية ، ولكن الناس طبعوا على العجلة قال الله جل و علا { وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولًا } أقول من شدة ما رآه صلى الله عليه وسلم من أذى قومه ومن تكالبهم عليه ، حتى إنه كان يمشي في أسواق مكة ، فيمر به الرجل و يناديه مناداة ملاطفة يطوي في طيها الخبث يقول يا أيها الذي أنزل عليه الذكر فيلتفت صلى الله عليه وسلم مستبشرا فإذا استبشر و نظر إلى من سأله قال له ذلك الشيطان المارد من الإنس إنك لمجنون قال الله جل وعلا. { وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ومع ذلك كله و غيره صبر صلى الله عليه وسلم ليكون حجة على العالمين و ليكون صلى الله عليه وسلم إماما للصابرين من العلماء و الدعاة بعده صلوات الله و سلامه عليه بكرة و أصيلا.أقول في هذا الخضم عز الله ، جل و علا نبيه صلى الله عليه وسلم وسلاه بخبر إخوانه من النبيين قبله حتى يكون له عليه الصلاة و السلام أسوة فيمن مضى من النبيين و حتى يعلم أن هذا الطريق الذي هو عليه قد مر على من قبله من النبيين و إن كان هو عليه الصلاة و السلام أكملهم و أعظمهم إيمانا إلى غير ذلك من صفات الكمال التي آتاها الله هذا النبي المعصوم .