فهرس الكتاب
ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يخطب في صلاة الجمعة فدخل رجلٌ يشتكي جدب الديار وقلة الأمطار وقال: يا رسول الله استسق الله لنا، فرفع صلى الله عليه وسلم يديه يقول ( اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا ) فتكون السحاب بأمر الله وأُمطر الناس أُسبوعًا، ثم في يوم الجمعة المُقبل دخل رجلٌ -هو أو غيره- من نفس الباب يشكو كثرة أن السيول قطعت السُبل وفرقت الناس وأضرت بالطرق فقال يا رسول الله كذا وكذا حصل من أثر السيول فادع الله أن يمسكها عنّا، فكان لكمال أدبه في المرة الأولى حينما قال الرجل أغثنا قال ( اللهم أغثنا ) ، في المرة الثانية قال امسكها عنّا فلم يقل صلى الله عليه وسلم لربه أمسك عنّا رحمتك لأنه يعلم أنها رحمة، قال ( اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر ) وجعل يشير بيديه، قال أنس"فوالله ما أشار إلى ناحية إلا اتجه السحاب إليها"، صلوات الله وسلامه عليه.
وهذا الأدب يغفل عنه كثيرٌ من الناس وهو يتأدب به مع ربه، كما حظي به النبيون حظي به الأتقياء عبر التاريخ كله، قال الله عن الجن { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } [الجن: 10] ،
فلما ذكروا الرشد نسبوه إلى الله { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } ، ولما ذكروا الشرّ نسبوه إلى ما لم يُسمَّى فاعله كما يقول النحويون، قالوا { وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ } ولم ينسبوه إلى الله مع أن الله خالق الخير وخالق الشر.