فهرس الكتاب
ثم أناخ بعيره عندها وتنحى فركبت على البعير رضي الله عنها وأرضاها، وقاد صفوان -وهو رجلٌ طاهرٌ- البعير دون أن يكلمها بكلمةٍ واحدة، فلما أشرف على الجيش رآه المنافقون، فقام عبد الله بن أُبي فقال للناس: امرأة نبيكم مع رجلٍ غيره والله ما سلمت منه ولا سلم منها -عياذًا بالله-، فألاك الناس الخبر وهي كل ذلك لا تدري، والله يقول { الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } [النور: 23] ، يعني لا يعلمون ما يُدار ويُحاك حولهن، فلما رجعت إلى بيتها رضي الله عنها وأرضاها وجدت تغيُّرًا من النبي صلى الله عليه وسلم رغم وجعها، لكنه لم يخطر ببالها أن يكون هذا الأمر، حتى إن أمها أم رومان لم تكن تعلم. ثم إنها خرجت مع أم مسطح لبعض شأنها تقضي حوائجها -ولم يكن الناس قد اتخذوا الكُنُف آن ذلك- فعثرت أم مسطح، فلما عثرت أم مسطح قالت: تعس مسطح، فسكتت عائشة، ثم عثرت مرة ثانية فقالت: تعس مسطح -تسب ابنها-، فتعجبت عائشة، هي تريد أن تفتح الموضوع معها، فقالت لها: عجبًا لك رجلا شهد بدرًا تسبينه، فذكرت لها القصة، فتعجبت قالت:
أو خاض الناس في هذا، ورجعت إلى البيت تبكي، ثم استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تُمرض عند أمها أم رومان فوافق عليه الصلاة والسلام.
فكان أبو بكرٍ رضي الله عنه يجلس على سقف البيت -وهو الصديق الأكبر وأول الناس إسلامًا وخير العباد بعد النبيين والمرسلين رضي الله عنه وأرضاه-، لكن المؤمن مُبتلى، جالسٌ على سطح البيت يقرأ القرآن، وهو يقرأ القرآن يسمع بكاء ابنته تحت، فينزل فيسمع بكاء عائشة رضي الله عنها فلا يملك إلا أن يزرف دمعة ويقول: والله إنه لأمر ما فعلناه لا في جاهلية ولا في إسلام، يعني الزنا والخوض في الفواحش أمرٌ لا نعرفه لا في جاهلية ولا في إسلام، ثم لا يلبث أن يقول إنا لله وإنا إليه راجعون، ويستحيي أن يُكلم النبي صلى الله عليه وسلم في الموضوع، ويصبر على ما يجد.