قال: { قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ } فأعترف أن الغراب أفضل منه , والسبب في ذلك أنه تجرأ على دم حرام لم يبحه الله جل وعلا .
والمسلم الذي يعلم ما هو المعروف , وما هو المنكر , لا يتجرأ على الدماء بيده , ولا يتجرأ على الدماء بلسانه فيريق دم مسلما معصومًا بفتوى أو بغيرها يريد بذلك عرضًا من الدنيا أو يخطئ أو يصيب ,
وإنما دماء المسلمين حرام قبل أن يتكلم المرء فيها يجب أن يتقي الله جل وعلا تقوى عظيمة , وقد مر معكم أن أبا حنيفة رحمة الله تعالى عليه في أيامه كأنه ظهرت في مكان كان يسكنه شوكة الخوارج الذين يرون كفر مرتكب الكبيرة الذي يموت دون توبة , فجاءوه ذات يوم وهو في المسجد فرفعا سيفين عليه , وقالا جنازتان في الباب , أي بباب المسجد ,
الأولى لرجل مخمور شرب الخمر فغص بها فمات , ما تقول فيه ؟
هما يريدان أن يقول أنه كافر , فأحتال عليهما و قال ممن هما ؟
يهوديان؟
قالوا لا ,
قالوا والأخرى , الجنازة الأخرى: امرأة حبلى من الزنا ماتت قبل أن تتوب .
فالخوارج يرون أن مرتكب كافر فيستبيحون دمه .
فقال: هل هما يهديان ؟
قالا: لا .
قال: هل هما من النصارى ؟
قالا: لا .
قال: هل هما من المجوس ؟
قالوا: لا .
قال: ممن هما ؟
فقالا من غير أن يشعرا , قالا: هما مسلمان .
قال: أنتم حكمتم أنهما مسلمان , أنا لم أقل شيئًا .
فقالوا: دعنا من ألاعيبك , قل لنا هما في الجنة أم في النار ؟
فقال: رحمة الله تعالى عليه وهنا يظهر دور العلم ,
قال: أقول فيهما ما قاله خير مني في من هو أشر منهما , أقول فيهما ما قاله عيسى { ان تعذبهم فأنهم عبادك وان تغفر لهم فأنك انت العزيز الحكيم} وأقول فيهما ما قاله خليل الله إبراهيم { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } كل ذلك ورعًا أن يكون بسبب كلمة أو فتوى يقولها سفك للدماء .