فهرس الكتاب
أما ثاني أحوال المؤمنين في رمضان: فإنهم ما إن يبدوا هلاله إلا وهم ينظرون إليه كما نظر إليه من قبل سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم فيقولون كما أثر عنه"ربنا وربك الله اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام"فإذا ذكروا ذلك خافوا على أنفسهم أن لا يوفقوا في هذا الشهر إلى عمل صالح خافوا على أنفسهم أن يغتنمهم الأجل قبل أن يتموا صيام شهرهم خافوا على أنفسهم أن يردوا على أعقابهم بعد إذ هداهم الله خافوا على أنفسهم أن يكون حظهم من صيامهم النصب والتعب خافوا على أنفسهم أن لا تقبل لهم طاعة ولا يرفع لهم كلمة طيبة ولا عمل صالح فلجأوا إلى رب العالمين جل جلاله لجأوا إلى من فرج عن موسى وهارون وأنجى ذا النون أن يوفقهم إلى الأعمال الصالحة برحمة منه وفضل وأن يتقبلها منهم برحمة منه وفضل { رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} إن العبد إذا فر عن الله وأعرض عن ذكره فقد أوكل نفسه إلى هواها وأوكل نفسه إلى ذاته الضعيفة وأوكلها إلى من لا حول له ولا طول ولا قوة ولكن اللبيب العاقل إذا فر من الله فر إليه ولا ملجأ من الله إلا إليه وما رمضان إلا مظهر ظاهر ومعلم بين من مظاهر رحمات ربنا جل جلاله بعباده فالله تبارك وتعالى خلق الرحمة وجعلها مائة جزء جزءا واحدا منها يتراحم به الخلق
حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه من تلك الرحمة وأبقى جل جلاله تسعا وتسعين جزءا ادخرها تبارك وتعالى لعباده يوم القضاء والفصل وكما قلنا سلفا إن رمضان مافيه من نفحات إلهية و مافيه من رحمات ربانية مظهر من مظاهر رحمة الله جل وعلا بعباده .