فهرس الكتاب
صبرت على الإساءة وانطويت
ورحت إليهم طلق المحيا
كأني ما سمعت ولا رأيت
ولا والله ما أضمرت غدرًا
كما قد أضمروه ولا نويت
ويوم الحشر موعدنا وتبدو
صحيفة ما جنوه وجنيت
بذلك تغلب على خصومك وأعدائك وهذا
الأمر أو العفو عند المقدرة قد يتأكد عند الملوك والأمراء والولاة والسلاطين وذوي الجاه أكثر مما يتأكد عند العامة .. لأنه الله مكن لهم في الأرض وآتهم من المادية المحسوسة ما يعينهم على البطش ولذلك ذكر أن المعتصم الخليفة العباسي الثامن المعروف قدم إليه برجل يقال له تميم الأوسي والظاهر أن تميمًا قد أجرم جرمًا في حق المعتصم ربما خرج عليه أو اتهمه بشيء أو ما إلى ذلك .. فكان المعتصم قد بيت النية في نفسه أن يقتله فأمر حراسه وجنوده أن يأتوا بالنطع أي الجلد و السيف وأظهره على الملأ وأتى بتميم الأوسي ووضعه على ليضرب عنقه ثم أراد أن يختبر أن جلاله فقال يا تميم كيف أنت الساعة .. فقال ذلك الرجل وقد كان فصيحًا ثابت الجنان . قال:
أرى الموت السيف والنطع كامنا
يلاحظني من حيث ما أتلفتُ
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي
وأي امرئ مما قضى الله يفلتُ
يعز على الأوس بن تغلب موقف
يسل علي السيف فيه واسقط
وما جزعي من أن أموت وإنني
لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلقي صبية قد تركته
و أكبادهم من حسرة تتفتتُ
كأني أراهم حين أنعى إليهم
وقد خمشوا تلك الوجوه وفوتوا
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطة
أذود الردى عنهم وأن مت مُيتوا
فرق المعتصم لحاله وقال قد تركناك لله أولًا .. ثم للصبية
على أنه أحسب مما قلناه كله قول ربنا جل وعلا"ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميد وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه السميع العليم"""