وراع صاحب كسرى أن رأى عمرا *** بين الرعية عطلا وهو راعيها
وعهده بملوك الفرس أن لها *** سورا من الجند والأحراس تحميها
في جبة تحت ظل الدوح مشتملا***بجبة كاد طول العهد يبليها
فهان في عينه ما كان يكبره *** من الأكاسر والدنيا بأيديها
وقال قولة حق أصبحت مثلا *** وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدل بينهم *** فنمت نوم قرير العين هانيها
فانظر تلك الكلمات الموجزات التي قالها رسول كسرى كيف أحالها حافظ بفصاحته إلى رونق الشعر
ثم إن المؤرخين كذلك يقولون وكتاب التراجم يقولون إن أمير المؤمنين رضي الله عنه تجول في المدينة ذات يوم ووجد حائطا خلف الحائط فتية من الأنصار يتنابون الراح الراح يعني الخمر يشربونها فتسور السور ودخل عليهم يفاجئهم بصنيعهم قالوا يا أمير المؤمنين هب أننا جئنا بواحدة وهي شرب الخمر لكنك أتيت بثلاث تجسست علينا والله يقول { وَلَا تَجَسَّسُوا } أتيت علينا من أعلى السور والله يقول { وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } لم تستأذن والله يقول { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } أي تستأذنوا { وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } أكبرهم عمر أكبر جوابهم لأنه مستند إلى القرآن ورجع، قال حافظ يصور هذا الموقف التاريخي:
وفتية ولعوا بالراح فانتبذوا***لهم مكانا وجدوا في تعاطيها
ظهرت حائطهم لما علمت بهم ***والليل معتكر الأرجاء ساجيها
قالوا مكانك قد جئنا بواحدة***وجئتنا بثلاث لا تباليها
فأت البيوت من الأبواب يا عمر***فقد يُزنُّ من الحيطان آتيها
ولا تجسس فهذي الآي قد نزلت***بالنهي عنه فلم تذكر نواهيها
فعدت عنهم وقد أكبرت حجتهم ***لما رأيت كتاب الله يمليها
وما أنفت وإن كانوا على حرج ***من أن يحجك بالآيات عاصيها