أن تعلم أن مقام العبد لا يعرف بوضعه عند الناس ، الناس لا يرون منك إلا الظاهر ، لكن الأمر العظيم مقامك عند ربك جل وعلا ، فهذا ساجد عند الكعبة ، وسلا الجزور على كتفيه ، وزعماء قريش ينظرون ، يسخرون ويتضاحكون ، وهو صلى الله عليه وسلم عند ربه في أعلا المقامات وأرفع الدرجات ، والدنيا لم يجعلها الله جل وعلا دار مكافئة ، ومن أعظم ما يدلك على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدرا أن يعصى فيها ،مما يدل على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدرا أن يعصى فيها ، وإلا لو كانت للدنيا كرامة عند الله لما أذن الله قدرا لأحد أن يعصيه فيها ، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة ، ومقامه عند ربه في أرفع الدرجات وأعلى المنازل وأرفع المقامات صلوات الله وسلامه عليه .
وهذا أمر ينبغي لكل من يحيى في هذه الحياة الدنيا أن يستصحبها في مكل شأن ، لأن الإنسان إذا كان ينتظر من الناس مدحا أو ثناءا أو رفيع قدر ، فسيتعب تعبا كبيرا ، لكن أول طرائق العظمة:
أن تبدأ بنفسك ، ولن تكون عظيما حتى تكون عظيم العبودية لله جل وعلا .
واعلم يا أخي:
? أن لله جل وعلا صفات وكلما ازددت عنها بعدا كنت من الله أقرب .
? ولله جل وعلا صفات كلما اتصفت بها كنت من الله أقرب .
وهذه الصفات لا تعرف برابط أو قاعدة وإنما تعرف بحيثيات الشرع ، فلا يوجد وضع يضعه ابن آدم فيه ذلة له أعظم من أن يضع جبهته على الأرض ، فهذا موضع ذلة بلا شك ولما كان هذا أعظم موضع ذلة يفعله ابن آدم ، وجب أن لا يصرف هذا الموضع إلا للرب تبارك وتعالى ، قال الله لنيه: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) فلما سجد صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله ، كان أقرب إلى ربه جل وعلا ، فكلما ازددت عبودية للرب تبارك وتعالى وانكسارا بين يديه ، كنت إلى الله جل وعلا أقرب ، فإن العظمة من شأنه وحده جل وعلا ، لا ينازعه فيها .