فلما طلب عمر بن الخطاب من أبي عُبَيْدة ما طلب -كما أسْلَفْنا- قال أبو عُبَيْدة: (( ما كنتُ لأَتَقَدَّم بين يدي رجلٍ أمَّرهُ رسول الله علينا أنْ يؤُمَّنا في الصلاة، فأَمَّنا حتى مات ) )وهو أبو بكر الصديق, فكان مع الصِّديق يده اليُمْنى، وما عصاهُ أبدًا, هذا ما تربى عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام.
كيف نحلل هذا الموقف؟
كان أبو عُبَيْدة في الشام يقودُ جُيوشَ المُسلمين من نصْرٍ إلى نصْرٍ، حتى فَتَحَ الله على يَدَيْه الدِّيار الشامِيَّة كُلَّها, فَبَلَغَ الفُرات شَرْقًا وآسْيا الصغرى شمالًا، عند ذلك دهمَ بِلاد الشام طاعون ما عرف الناس مثله قطّ، فَجَعَل يحْصد الناس حصْدًا، فما كان من عمر بن الخطاب إلا أنْ وَجَّهَ رسولًا لأبي عُبَيْدة بِرِسالةٍ، بلَّغ أبا عُبيدة وهو في الشام قائِدًا الجُيوش، فكتب إليه يقول: (( إني بَدَتْ لي إليك حاجة، لا غِنى لي عنك فيها، فإنْ أتاك كِتابي هذا، إنْ أتاكَ ليْلًا فإني أعْزِمُ عليك ألاَّ تُصْبِحُ حتى تَرْكَبَ إلَيَّ، وإنْ أتاك كِتابي نهارًا فإني أعْزِمُ عليك ألاَّ تُمْسي حتى ترْكَبَ إلَيَّ ) ).
فَفَهِمَ سيِّدُنا أبو عُبَيْدة ما يريده عمر، واسْمَعوا ما قاله هذا الصحابيّ الجليل: (( قد علمتُ حاجة أمير المؤمنين إليّ، فَهُو يُريد أنْ يسْتَبْقي ما هو ليس بِبَاقٍ, ثمَّ كتب يقول: يا أمير المؤمنين, إني قد عَرَفْتُ حاجَتَك إلَيّ، وإني في جُنْدٍ من المُسْلمين، ولا أجد بِنَفْسي رَغْبَةً عن الذي يُصيبُهم ) )فهو رضي الله عنه ما أراد أنْ يُغادر الجُيوش لِيَنْجُوَ وحْده من الطاعون، ويَهْلك الجُنْدُ هناك، (( ولا أريد فِراقهم حتى يَقْضِيَ الله فيَّ وفيهم أمره، فإذا أتاك كِتابي هذا فَحَلِّلْني من عزْمك، واذَنْ لي بالبَقاء ) ).