لقد سمعتُ قِصَّةً تأثَّرْتُ لها، هذه القِصَّة أنَّ رجُلًا ممن شرد على الله، وممن آمن أنه لا إله أيْ أنه مُلْحِدٌ، في الخامسة والأربعين، أو الخمسين من عُمُره اهْتدى إلى الله، وبدأ يُصلي، له ابنٌ صالِحًٌ، فَمِن شِدَّة فَرَحِ ابنه أنَّ أباهُ بدأ يُصَلي، هذا الابن أقام موْلِدًا في بيْتِهِ، ودعا أصْدِقاء والده، فكلَّف أحد علماء دِمَشْق لإِلْقاء كلمة على هؤلاء الشارِدين، أصْدِقاء هذا المُلْحِد, ألْقى عليهم كلمة فيها كُلُّ العَقْلانية والمنطق والأدِلَّة، فهذا الابن, يقول: لم ينتهِ هذا الاِحْتِفال إلا وخَمْسَةٌ من أصْدِقاء والده اصْطَلَحوا مع الله, فالبطولة لا أنْ تُفْسِد إنْسانًا على شَيْخِهِ, دِمَشْق فيها خمسة ملايين، كم من مُصَلٍّ فيها؟ نِصْف مليون أو أكثر، فهؤلاء أربعة الملايين الشارِدين عن ربِّهم ابذل من نفسك لهم، ولِهَؤُلاء الذين لا يُصَلون، ولِهَؤُلاء الذين أُلْبِسوا شُبُهاتٍ حول الدِّين، وظنوا أنَّ الإسلام شيءٌ قديمٌ، وأنَّ الأديان أشياءٌ غَيْبِيَّة لا علاقة لها بِالواقع، فأنت إذا أردتَ أنْ ترقى عند الله يجب أنْ تنْطلق في حِوار الطَّرَف الآخر، لا أنْ تبْقى على الطَّرف الواحد، فالبُطولة في إقْناعِ الطَّرَف الشارِد.
أردتُ من هذه المُقَدِّمة أنْ أبيِّن أنَّه في عهْد النبي عليه الصلاة والسلام كان النبي قِمَّةً في الحُبِّ والوَرَعِ والإقْبال والسُّمُوِّ وإنْكار الذات والشَّوْق لربِّه، وكان أُناسٌ في مكَّةَ في حضيض الانْحِطاط والدناءة والأَثَرَة والكِبْر والبَغْي والأنانية والعُدْوان، وكان أُناسٌ لم يؤمنوا بِمُحَمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، وليْسوا في هذا المُسْتوى الوَضيع الذي انْحدر إليه كُفارُ قريش، من هؤلاء سيِّدُنا حمزة بن عبد المُطَّلب رضي الله عنه وأرْضاه.
العبر التي يمكن أن نستنبطها من مواقف حمزة بن عبد المطلب قبيل إسلامه مع ابن أخيه: