قريبًا من الكَعْبة لَقِيَهُ خادِمٌ لِعَبْد الله، ولم تكد تبصرُه حتى قال له: يا أبا عُمارة - وهي كنية سيدنا حمزة- لو رأيتَ ما لقيَ ابن أخيك محمدٌ آنفًا من أبي الحكم بن هشام، فآذاه وسبَّه، وبلغ منه ما يكره، فسيدنا حمزة بكل مروءته وشهامته وغيرته، وبكل إنصافه توَشَّح سيفه، واتَّجه ليقتصَّ من أبي الحكم بن هشام، بحث عنه فإذا هو في جوار الكعبة، تقدَّم نحوه، واستلَّ قوسه، وهوى به على رأسه فشجَّه وأدماه، وقبل أن يفيق الجالسون من الدهشة صاح حمزة بهم وصاح في أبي جهل: أَتَشْتُمُ محمَّدًا وأنا على دينه، أقول ما يقول؟ أسلم سيِّدنا حمزة، ولكن بِمَوْقفٍ ارْتِجالي، وموقف دفعته إليه حَمِيَّتُهُ لابن أخيه، وإنْصافُهُ وغَيْرَتُهُ، أسْلم وتحَدى المُشْرِكين.
أيها الأخوة, أدَعُكُم معه لِيُعبِّر عن حالةٍ نفْسِيَّة ألمَّتْ به، يقول سيِّدنا حمزة: أدْركني النَّدَم على فِراقي دين آبائي وقَوْمي, وبِتُّ في شكٍّ من أمرٍ عظيم، لا أكْتَحِلُ بِنَوْم، ثمّ أتَيْتُ الكعبة وتضرَّعْتُ إلى الله أنْ يشرح صدْري، مفْهوم الإله مفْهومٌ عامٌ في كلِّ مكان وزمانٍ، وفي كلِّ مِصر.
فاستجاب الله لي، وملأ قلبي يقينًا، وغدوتُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرتُه بما كان من أمري، فدعا الله أن يثبِّتَ قلبي على دينه، كذلك هنا استنباط, أنتَ لك علاقة مع الله مباشرة، لك ابتهالات، لك سؤال إلى الله، لا شكَّ أنَّ في حياتنا أشياءَ مُحَيِّرةً، أحيانًا يلجأ إلى الله, يا رب أنت تعلم وأنا لا أعلم، دُلَّني بك عليك، دُلَّني على رجلٍ يُحِبُّك, إنْ كان هذا يُحِبُّك وتُحِبُّه فألْقِ حبي فيه، إنْ كان هذا على الحق فاجْعَلْني أميل إليه، فاجْعل بينك وبين الله سُؤالًا وعلاقة، كما فعل سيِّدُنا الحمزة.
الخير الكبير الذي دخل على النبي والمسلمين حينما اعتنق حمزة الإسلام: