فهرس الكتاب
راقبْ نفْسَكَ حينما تُعامِلُ الناس، عامِلِ الناس كما تُحِبّ أنْ يُعامِلوك، هل عندك اسْتِعْداد إذا كنت مُوَظَّفًا وجاءَكَ رجُلٌ مُراجِع أنْ تضعَ نفْسَكَ مكانه، أم أنك تضع أمامه ألف عَقَبَة, كأن تقول له: لا بد من أنْ تُصَدِّق لي على هذا التوقيع، وأنت تقْدِر أنْ تتجاوز له عن هذا، وتيسر له المعاملة، ولكن تعرقلها، إما لِإظْهار قيمتك, وإما لكي تُشْعِرَهُ أنَّك إنْسانٌ مُهِمّ وخطير؟ فالإنسان عليه أن يعامِل الناس كما يُحِبّ أنْ يُعامِلوه.
تَرْوي بعض الرِّوايات أنَّهُ بلغ من شِدَّة حُبِّ النبي عليه الصلاة والسلام لأُسامة أنَّه عثر يومًا بِعَتَبَةِ الباب فَشُجَّتْ جَبْهَتُهُ وسال الدمُ من جُرْحِهِ, فأشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى عائِشة رِضْوان الله عليها أنْ تُزيل الدَّم عن جُرْحِهِ فربما أنَّها لم تسْتَجِبْ سريعًا، أو لم تَطِبْ نفْسًا, لِذلك فقامَ إليه النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يُزيلُ الدَّم عن جَبْهَتِه ويُطَيِّبُ خاطِرَهُ بِكَلِماتٍ تفيضُ عُذوبِةً وحنانًا.
وبِالمُناسَبَة فإياكم أنْ تنْزَلِقوا وتَظُنوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يُمَثِّلُ في هذه الأخلاق كما يفعل بعض الناس، فهذه أبعد عن أخْلاق النبي عليه الصلاة والسلام بُعْد الأرض عن السماء، والآن في زماننا هناك أشْخاصٌ أذْكِياء وبارعون في تمْثيل التَحَبُّب, هذا ليس حُبًا ولكن مصْلَحَةً, هذا يفْعَلُهُ الناس أحْيانًا, لكن النبي عليه الصلاة والسلام حُبُّهُ حقيقيّ, وصِدْقُهُ ما بعْده صِدْق, وإخْلاصه ما بعده إخْلاص.