فهرس الكتاب
في يومِ مؤتة جاهد أُسامة تحت لِواء أبيه زيد بن حارِثَة وسِنُّهُ دون الثامنة عشرة, فرأى بِعَيْنَيْه مصْرع أبيه فلم يَهِن ولم يتضَعْضَع وإنما ظلَّ يُقاتلُ تحت لِواء جعفر بن أبي طالب حتى صُرِع, وعلى مرْأى منه ومشْهد، ثمَّ تحت لِواء عبد الله بن رواحة حتى لَحِق بِصاحِبَيْه، ثمَّ تحت لِواء خالد بن الوليد حتى اسْتَنْقَذ الجيش الصغير من براش الروم، ثمَّ عاد أُسامة إلى المدينة مُحْتَسِبًا أباهُ عند الله، تارِكًا جسده الطاهر على تُخوم الشام راكِبًا جواده الذي اسْتُشْهِد عليه.
المَوْقِف الحاسِم ومركز الثِّقَل في سيرة هذا الصحابيِّ الجليل أنَّهُ في السَّنَة الحادِيَة عشرة للهِجْرة أمر النبي عليه الصلاة والسلام بِتَجْهيزِ جَيْشٍ لِغَزْوِ الروم، وجعل فيه أبا بكرٍ، وعمر، وسعْد بن أبي وقاصٍّ، وأبا عُبَيْدة بن الجراح, وغيْرهم من جِلَّة الصحابة وأمَّر على الجَيْش أُسامة بن زيْد، وهو لم يتجاوز العِشْرين من عُمره، وأمره أنْ يوطئ الخيل تُخوم البلْقاء، وقَلْعَةَ الداروم القريبة من غَزَّة بِلاد الروم، حرْبٌ هَدَفُها تحْجيمُ الأعْداء وفيما كان الجَيْشُ يتَجَهَّز مَرِضَ عليه الصلاة والسلام، لو أنَّهُ يعْلمُ الغَيْب لَتَرَك هذه المُهِمَّة لِخَليفَتِه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لا يعْلمُ الغَيْب، ولو أنَّهُ كان يعْلم الغَيْب لما مسَّهُ السوء، وهو صلى الله عليه وسلم يخاف إنْ عصى ربَّهُ عذابَ يوْمٍ عظيم، ولا يمْلِكُ لِنَفْسِهِ نفْعًا ولا ضَرًّا, فمن باب أوْلى ألا يمْلِكَ لأصْحابه نفْعًا ولا ضَرًّا, وهذا هو مقامُ النُبُوَّة وأيُّ إنْسانٍ يدَّعي فوق ذلك فَهُوَ دَجَّال.