فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 800

هناك بالسيرة أمرٌ أقف أمامه محتارًا، أنه حينما هاجر النبي إلى المدينة، كيف أن أهلها خرجوا عن بكرة أبيهم يستقبلونه، ويعظمونه, ويصدقونه، ويحبونه، وهم لم يلتقوا بها من قبل، فهل عرفتم ما السر؟ السر أن هذا الصحابي الجليل الذي أرسله النبي إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها جعل الله هداية كبار أصحابه من الأنصار على يديه.

هذا الشيء نقلني إلى فكرة، فأحيانًا ترى الجامع مليء، فهل تعرف الفضل لمن يعود؟ لبعض الأخوة النشيطين الذين يندفعون لنشر الحق، يُقنع جاره, ويقنع أخاه، يقنع ابنه، يقنع أباه، يقنع زميله في العمل، يعني يدعوه إلى المسجد، يدله على الله، يسمعه بعض الأشرطة، يناقشه، يخدمه، فغص الجامع وامتلأ، هذا الجامع أساسه أخ نشيط بذل كل شيء، حتى أقنع الناس بالحق، وحتى أقنعهم بالهدى، وحتى حملهم على التوبة.

المدينة عن بكرة أبيها تخرج لاستقبال النبي و لم يلتقوا به من قبل، ولم يسمعوا كلامه، من الذي جلس بينهم، ودعاهم إلى الهدى، وقرأ عليهم القرآن، وحدثهم عن النبي عليه الصلاة والسلام، بين لهم شمائله الشريف، عرفهم بربهم، بين كمال الله عز وجل بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى, من هذا الذي كان يعمل ليلًا ونهارًا؟ سيدنا مصعب.

يعني ماذا أقول إن صح التعبير؟ إن الأنصار كلهم في صحيفته, تضيق عليك دنياك ويقل دخلك، لكن الله عز وجل يعطيك أضعاف مضاعفة عطاءً لا ينتهي بالموت، يبدأ بعد الموت.

فالإنسان لا يقيس نفسه ويقيس الآخرين بالأمور المادية، هذا قياس فاسد، رب أشعث أغبر, ذي طمرين، مدفوع بالأبواب, لو أقسم على الله لأبره, لا تقس نفسك بمساحة بيتك، ولا بمستوى بيتك، ولا بدخلك، ولا بمركبتك، قِس نفسك بطاعتك لله، واجعل قوله تعالى نصبَ عينيك:

{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

(سورة الحجرات الآية: 13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت